يغدو في زمانٍ آخر خارج هذا السياق ؛ لأنّ الأغنية تتغيّر أيضاً جيلًا بعد جيل في نوعية الإيقاع الموسيقي الذي تختاره ، وإذا كان فقيهٌ قد قال في الستينيات من القرن الماضي مثلًا بأنّ أغنية فلانة أو فلان حرام ؛ لأنّها تتناسب مع مجالس الفسق والفجور ، فهذا لا يعني بالضرورة أنّها حرام الآن ، بل لابدّ من عرضها على الشائع في عصرنا لنرى هل تتناسب أم لا ؟ وهكذا الحال لو حكم آنذاك بحليّتها ؛ كونها لا تتناسب .
ولكي أكون أوضح ، يمكنني القول بأنّ التناسب عملية يمكن اكتشافها عفويّاً من جانب شخص سمع أو اعتاد أو طرق سمعه مراراً ألحان مجالس الطرب والملاهي ، فهذا الشخص عندما يستمع إلى لحنٍ أو أغنية ما ، يمكنه - بطريقة عفوية - أن يقول لك بأنّ هذا اللحن متعارفٌ في تلك الأوساط اللهوية والفسقيّة ، أو يقول لك بأنّه غير متعارف أو هو غريب عن تلك الألحان والأغاني ، تماماً كما هي الحال عندما تستمع إلى لحنٍ ، فتقول بأنّ هذا اللحن يتناسب مع الأغنية الأجنبيّة أو مع الأغنية العربيّة أو مع الغناء الهنديّ ، بل قد تدخل في تفاصيل أكثر لتقول بأنّه يتناسب مع موسيقى الروك أو البوب أو غير ذلك .
وهذا التحديد الذي طرحه الفقهاء لن يحلّ المشكلة التطبيقية قطّ ، ولم يدّع الفقهاء ذلك ، وليس هذا أوّل موضوع يقع اختلاف في مصاديقه ، فقد يقع اختلاف في أنّ هذا اللحن متناسب مع مجالس الطرب والملاهي أو لا ، فيقول شخصٌ بتناسبه فيما يرى آخر عدم ذلك ، وفي هذه الحال قد يتساءل عن الحلّ ، ما هو ؟ وكيف ؟
وللجواب عن هذه القضيّة ، يرى الفقهاء المتأخّرون في الغالب أنّ المرجع إمّا
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 395
مساهمون: حيدر حب الله
ص٣٩٥