وأمّا إبطال الأفعال فليس بالشيء الجديد ، والمشكلة أنّ بعضنا لا يفهم طريقة تعامل الفقه الإسلامي مع الأمور ، فالفقهاء هنا قالوا بأنّ من لا يعمل على وفق التقليد ، ثم لا يتبيّن أنّ عمله هذا مطابق للواقع أو مطابق لفتاوى من كان يجب عليه تقليدهم فسوف يكون باطلًا ، بمعنى غير كافٍ وغير مجزء وغير موجب لفراغ الذمّة عن التكاليف التي توجّهت إليه ؛ لأنّ هذا الفعل لا يحرز تطابقه مع المأمور به في الشريعة حتى يكون مجزياً ، فأنا لو صليت بطريقة معيّنة من دون الاستناد في الصلاة هذه إلى فتوى شخص أو إلى اجتهادي الشخصي أو إلى الاحتياط ، فهنا لا أستطيع تحصيل فراغ الذمّة ، فذمّتي كانت مشغولةً بالصلاة ، لكن هل فرغت ذمّتي نتيجة ذلك بحيث لا يجب عليّ الإعادة ولا القضاء أم لا ؟ لا أعرف ، فالأمر محتمل ، فإذا أحرزت أنّ فعلي هذا كان مطابقاً للواقع الذي أراده الله - كما لو طابق الاحتياط - فسوف أتأكّد من أنّني أتيت بالفعل الموجب لفراغ الذمّة ، وكذا لو اعتمدتُ على فتوى فقيه بحيث طابق ما فعلتُه مع فتواه ، فهنا حيث يجيز لي الشرعُ التقليدَ فسيكون تطابق فتواه مع عملي موجباً لتصحيح العمل ، وفي غير هاتين الحالتين لا أتأكّد من صحّة عملي ما دمت غير مجتهد ، والقاعدة العقلانية تقول بأنّ الشغل اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني ، ومن هنا عبّر بعضهم - على ما في بالي - بأنّ البطلان هنا هو بطلان بنظر العقل ومرتبط بباب الإجزاء ، ولهذا قد يصحّ القول بعدم وجود نصّ على التقليد ، لكنّ هذا لا يعني عدم لزوم التقليد .
وشبيه هذا الكلام يجري في مجال المعاملات أيضاً ، فلو أوقعت عقد بيع بطريقة معيّنة ، ثم لم أعرف هل هذا العقد يطابق شرع الله أم لا ؟ فلو طابق صحّ العقد ونفذ مثلًا وترتبت عليه نتائجه القانونية من نقل الثمن إلى البائع والمثمن
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 386
مساهمون: حيدر حب الله
ص٣٨٦