لغيره في الاجتهاد نتيجة تعقيدات الواقع هذه .
يضاف إلى هذا كلّه أيضاً أنّ التحوّلات الفكريّة في القرن الأخير أحدثت مناهج متعدّدة في الاجتهاد داخل الحوزات العلميّة ، وهذا الاختلاف يجعل من يتبنّى منهجاً ما غير معتدّ بمن يعمل وفق المنهج الآخر ويراه سطحيّاً ، فيما نرى من يأخذ بالمنهج الآخر غير معتدّ بمن يعمل على المنهج الأوّل ويراه غير عرفي ولا لغوي ، وإنّما محض تأوّلات وتكلّفات وتخمينات وغير ذلك ، وهذا أيضاً يترك بصماته على شهادات الاجتهاد .
هذا الواقع موجود بدرجة معيّنة ( لا أنّ الواقع كلّه هكذا ، فهذا ظلم للواقع الحوزوي ) ، لكنّني أعتقد أنّ من يحمل إجازة اجتهاد حقّاً هم في الغالبية الساحقة مجتهدون وفق السائد ، فمن النادر القليل أن لا يكون الأمر كذلك ، لكنّ الكثير ممّن لم يأخذ إجازة اجتهاد هم في الواقع مجتهدون .
نعم ، قد تجد من لديه إجازات اجتهاد لكنّه غاب عن ملكة الاجتهاد نتيجة غيابه عن الممارسة البحثيّة والتدريسيّة ، وهذه ظاهرة واضحة عند البعض القليل من الكبار في السنّ ، ممّن لم يواصلوا مسيرتهم البحثية والتدريسية ، ولهذا فمن المنطقي - بنسبةٍ ما - ما ذهب إليه بعض الفقهاء المعاصرين - كالسيد محمّد حسين فضل الله - من أنّ الممارسة ضروريّة في مجال الاجتهاد والتقليد .
وعليه ، فتجاذبات الواقع هذه وكوننا نمرّ في مرحلة حرجة ، يمكن أن يوحي للآخرين بأنّ وسائل الإثبات التي طرحها الفقهاء غير ذات جدوى ، أو أنّها لا تستطيع أن تعكس لنا الواقع بأمانة ودقّة ، ليس لنقص فيها بل لارتباك في الواقع نفسه . ولكنّ الفقهاء قالوا بأنّه في هذه الحال لا يحكم باجتهاد شخص ما لم نثبت اجتهاده ، ولو تعارضت الشهادات أخذ بأكثرها خبرويّة أو بمن يكون الوثوق
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 383
مساهمون: حيدر حب الله
ص٣٨٣