تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 385

مساهمون:

ص٣٨٥
يترك الناس الرجوع إلى أهل الاختصاص ، بل يرفضون هذا أشدّ الرفض . تصوّروا معي أنّ الناس في كلّ القضايا الطبية والهندسية والمعمارية والتقنية لا يرجعون إلى أهل الخبرة ، بل كلّ شخص يتصرّف بما يراه مناسباً ، إنّ هذه الظاهرة يرفضها العقلاء ويرونها توجب الهرج والفوضى ، وما يستدلّ به الفقهاء هو عنصر الارتكاز الملزم بالرجوع لا عنصر الممارسة الخارجية التي لا تكشف سوى عن الجواز والمشروعية . ونفس الشيء يجري في قول الأصوليين بحجية خبر الواحد مثلًا ، فهم يستدلّون بالسيرة العقلائية ، ويقصدون بذلك أنّ العقلاء يُلزمون بالعمل على وفق إخبار الثقة . وبناء عليه ، فالسيرة تكشف عن عنصر الإلزام المستكنّ في الوعي العقلائي ، وهذا العنصر - إضافة إلى الممارسة الخارجية - يشكّل مركز الإمضاء الشرعي لهذه السيرة ، حتى لو كانت كلّ الروايات الواردة في باب التقليد ضعيفة ، هذا ما يقوله الفقهاء . إنّني أعتقد أنّ التقليد ظاهرة بشريّة من حيث المبدأ ، ويعمل عليه أهل السنّة أيضاً ، فهم يرجعون للمفتين والفقهاء ومشايخ مناطقهم والمشايخ الذين يتصدّون للإفتاء عبر وسائل الإعلام وغيرها ، وليس حكراً على الشيعة ، نعم الامتياز الذي هو موجود في الفكر الشيعي يكمن في نظريّة تقليد الأعلم من جهة ، وحرمة تقليد الميّت من جهة ثانية ، فإنّ هاتين النظريّتين المشهورتين عند الإماميّة هما اللتان تخلقان عنصر المركزية في التقليد عند الشيعة ، وتصنعان ظاهرة المرجعية العليا والتقليد الواسع الذي نشاهده اليوم في حياتنا ، لا سيما عندما نضم إليهما فكرة إرجاع الحقوق الشرعية والأخماس إلى المرجع الأعلى أو وكلائه ، فعلينا أن نحدّد مركز التمايز ، كي نعرف أين ينبغي البحث والتداول .
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 385 | حيدر حب الله