أعلمه الله به ، تماماً كما أوحى الله الأحكام الشرعيّة للأنبياء الآخرين ، وقد بلغ العبد الصالح من المرتبة أن أوحى إليه الله هذا الحكم ، ولم يكن قد أوحى مثله إلى موسى ، فأعلمه بهذا الحكم عبر العبد الصالح لا عبر الوحي المباشر ، ما النافي لهذا الاحتمال ؟ بل ما يعزّز هذا الاحتمال قول العبد الصالح في آخر الحوار :
( وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي )
، أي إنّ هذا الذي فعلته أمامك يا موسى لم يكن شيئاً من عندي ، بل كان شيئاً من الله سبحانه وتعالى ، فهذا يعزّز أنّ العبد الصالح كان مأموراً بمثل هذه الأمور ، وكانت مشرّعةً بالنسبة إليه ، لا أنّه هو الذي شرّعها وأنّ الله فوّض إليه أمر تشريعها .
ثانياً : كيف عرفنا أنّ هذا الحكم يتقاطع حال إعلانه من قبل العبد الصالح مع شريعة موسى وتوراته ؟ فهل نحن نعرف أنّ موسى في هذه الرحلة قد كانت نزلت عليه التوراة بعدُ أم لا ؟ هذا كلّه مجرّد افتراض ، بل يمكن أن نقول بأنّ موسى قد انطلق في ردّة فعله من الحالة الطبيعية للإنسان الذي يستنكر قتل الإنسان الآخر ، فحرمة القتل ثابتة بالعقل أيضاً كما يقول الفقهاء ، ما لم يكن لها مبرّر ، وموسى لم يكن ملتفتاً للمبرّر الذي كان يملكه العبد الصالح . ولعلّ موسى لم يكن نبيّاً مرسلًا مبعوثاً للناس بدعوةٍ بعدُ عندما ذهب بهذه الرحلة ، بل كان يوحى إليه كما يوحى إلى مريم ولو لم تكن نبيّة ، ثم بعد ذلك بلغ رتبة النبوّة فبُعث لبني إسرائيل . فبأيّ دليل قرآني يمكننا نفي هذه الاحتمالات ؟ وأنتم تتكلّمون عن دليل قرآني يثبت البُعد اللاهوتي وعلم الغيب ، إذاً فيجب أن نثبت هذا كلّه بالدليل القرآني حتى يصدق أنّ ما قلتموه هو دليل قرآني صرف .
ثالثاً : لقد افترضتم أنّ علم العبد الصالح بمآل حال الغلام هو من نوع علم الغيب الذي أدرجتموه في العلم بما لم يكن لو كان كيف سيكون ، مع أنّ النص