تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 377

مساهمون:

ص٣٧٧
أراد ، وهنا إذا جاءت العلوم كلّها لتثبت أنّ الشهر قد بدأ ، فإنّ الفقيه يحترمها ويجلّها ، ويقول : إنّني أقطع وأؤمن معكم بأنّ الشهر التكويني قد بدأ ، ولا مشكلة عندي ، لكنّ وجوب الصيام - بحسب ما فهمت أنا الفقيه شخصيّاً - ليس مربوطاً بما أثبتته العلوم من الشهر التكويني ، بل مرتبط بما أثبته النصّ من الشهر الشرعي ، وهذا ليس إنكاراً لقيمة العلم ، بل هو تغايرٌ بين ما يُثبته العلم وبين ما يبني الشرعُ وجوبَ الصيام عليه ، هكذا يفهم الفقهاء القضيّة . سأعطي مثالًا آخر ، مسألة الحيض ، فالفقهاء لديهم أحكام مرتبطة بالحيض ، مثل ما هو المعروف بينهم من أنّ أقلّ الحيض ثلاثة أيام ، وهنا إذا جاء العلم وأكّد أنّ هذا الدم الخارج من هذه المرأة هو حيض ، رغم أنّه لم يستمر أكثر من يوم واحد ، وأنّه هو نفسه الدم الذي يتكوّن في الرحم نتيجة أوضاع خاصّة تؤدّي إلى خروجه عند العادة الشهرية . إنّ الفقهاء هنا يقولون للعلم : نحن نحترم اكتشافك وإخبارك لنا ، لكن مع ذلك نحن نقول للمرأة بأنّه يجب عليها أن لا تعتبره حيضاً ، لماذا ؟ ! لأنّنا فهمنا من النصوص أنّ الشرع اخترع مفهوماً شرعيّاً قانونيّاً للحيض غير مفهومه التكويني ، ورتّب الأحكام كلّها على هذا المفهوم الشرعي ، فصار هناك حيضٌ تكويني ، وصار هناك حيض شرعي ، وأحكام الحيض تترتّب على الحيض الشرعي ، فيما يثبت العلمُ الحيضَ التكويني . وبهذا نفهم أنّ عدم عمل الفقهاء أحياناً بمواقف العلم يرجع إلى اختلاف موضوع الحكم الذي ترتّبت عليه الأحكام وبيّنته النصوص بحسب فهم الفقهاء . وإذا أردت أنّ تناقش الفقهاء في فهمهم فليس المدخل للنقاش معهم هو أنّكم وقفتم بوجه العلم ، فهذا المدخل غير صحيح ، بل تناقشهم في أنّ فهمكم للنصوص على أنّها أرادت إثبات شهرٍ شرعي غير الشهر التكويني ، أو