وكون المأكول لحم خنزير أو المشروب ماءً ، أمّا من يُثبت لي أنّ هذا المأكول هو لحم خنزير ، ومن يثبت لي أنّ هذا المشروب هو ماء ، ومن يُثبت لي أنّ هذا الوقت هو الزوال ، وقد عبرت الشمس كبد السماء ؟ فهذا شأنّ بشري تركته الشريعة لوسائلك المعرفيّة والإثباتيّة والعلميّة .
وفي هذه الحال لو جاءت العلوم وأثبتت بالدقّة أنّ الزوال حصل في المنطقة التي أنت فيها ، أو الشروق قد حصل ، أو هذا اللحم لحم خنزير نتيجة إجراء الفحوصات عليه ، ففي هذه الحال يؤخذ بهذه العلوم ، فالعلم حجّة وله قيمته المعرفيّة .
الحالة الثانية : أن يتدخّل المشرّع نفسه في صياغة مفهوم جديد للشيء الذي ربط هو نفسه الحكم الشرعي به ، وهذا شيء يحصل في الفقه الإسلامي وفي القوانين أيضاً . لكن كيف أعرف ذلك ؟ أعرف ذلك بمراجعة النصوص الدينية نفسها ، وهنا لاحظ الفقهاء أنّ الشريعة الإسلامية ونصوصها ربطت الصيام برؤية الهلال ، ولم تربطه بواقع الشهر ، هكذا فهم الفقهاء المسألة من النصّ ، ولك الحقّ في أن تناقشهم في فهمهم هذا ، لكنّهم يقولون بأنّ النص ما دام قد ربط وجوب الصيام برؤية الهلال ، فهذا معناه أنّه لم يجعل وجوب الصيام رهيناً لثبوت وتحقّق الشهر الواقعي التكويني ، كما كان وجوب الظهر رهيناً لواقع الزوال التكويني ، ومن هنا اخترع الفقهاء شيئاً أسموه الشهر الشرعي مقابل الشهر التكويني ، وقالوا بأنّ الشهر التكويني يبدأ منذ خروج الهلال من تحت شعاع الشمس وفراره من المحاق ، أمّا الشهر الشرعي الذي فهمناه من النصوص ، فيعني رؤية الإنسان للهلال وليس نفس خروج الهلال .
إنّ القانون هو اعتبارات تشريعيّة بيد المشرّع ، فله أن يربط أحكامه بأيّ شيء
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 376
مساهمون: حيدر حب الله
ص٣٧٦