الأصل العدمي ، حتى لو لم يعبّروا عنها بهذه التعابير .
وربما كان قصد المستشكل هو كثرة حضور الأصول العملية والعدمية في الاجتهاد ، على حساب الأمارات والأدلّة المحرِزة ؛ فإنّ العلماء لهم طريقان في الاجتهاد من حيث الأسلوب :
الطريق الأول : هو الشروع من الأصول العدميّة والعمليّة وتحقيقها ، ولهذا يبدؤون مما يسمّونه ب - ( تأسيس الأصل في المسألة ) ، ثم الرجوع بعد ذلك إلى الأدلّة المحرزة ، فإن عثروا فيها على شيء على خلاف الأصول ، عملوا به ، وإلا رجعوا إلى مقتضى القاعدة التي أصّلتها الأصول العملية والعدميّة .
الطريق الثاني : وهو الذي مال إليه السيد حسين البروجردي ، وأميل إليه شخصيّاً ، وهو الشروع من الأدلّة المحرزة ، أي من نصوص الكتاب والسنّة والعقل والبناءات المتشرّعية والعقلائيّة ، فإن لم نعثر على شيء ، فحينئذٍ تصل النوبة إلى الأصول .
والطريقة الثانية تقلّل من حضور فكرة الأصول في الاجتهاد عمليّاً لا نظريّاً ؛ لأنّ الطريقة الأولى تفرض علينا البحث في مقتضى الأصل في كلّ مسألةٍ فقهيّة وأصوليّة تقريباً ، مع أنّه في كثير من الأحيان لا نحتاج إلى الأصل بعد توفّر الدليل ، فيكون البحث في الأصل تطويلًا نظريّاً تجريديّاً زائداً للمسافة واستهلاكاً للوقت بلا ضرورة .
وأمّا كلامه في ضرورة الرجوع إلى العمومات ، فهو صحيح ، لكنّ الفقهاء لا يرجعون إلى أصل العدم عند وجود العمومات ؛ لأنّ الدليل المحرز لا يختصّ بالأدلّة الخاصّة ، بل يشمل عندهم العمومات والمطلقات أيضاً . نعم قد يشتبهون في التطبيقات ، فيغيب عنهم العموم ، فيرجعون إلى الأصول العدمية . ولا أظنّ
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 367
مساهمون: حيدر حب الله
ص٣٦٧