ويمكن تخريج الحال فيه بطرق كثيرة غير المنع من تعلية البناء .
وأمّا الحديث الشريف ، فبصرف النظر عن المناقشات السندية التي أوردت عليه ، فقد تعرّض لمناقشات كثيرة استوفيتُها شخصياً في أبحاثي المتواضعة حول الجهاد في الإسلام ، ومن الملاحظات التي سجّلها بعض الفقهاء المحقّقين المتأخرين أنّ هذا الحديث يتحدّث عن علوّ الإسلام لا عن علوّ المسلم ، وقد التبس الأمر على الفقهاء السابقين في هذه المسألة ، ومجرد علوّ شخص غير مسلم على شخص مسلم لا يعني علوّ غير الإسلام على الإسلام ، بل يصدق هذا عندما يكون علوّ الكافرين موجباً لضعف الإسلام نفسه ، ومن هنا تراجع الكثير من الفقهاء المتأخّرين عن توسعة دائرة الاستناد إلى قاعدة العلوّ بهذا المعنى ، وأجاز الكثير من الفقهاء أن يصبح المسلم أجيراً عند غير المسلم في عقد إجارة ، أو عاملًا في عقد مضاربة أو مزارعة أو مساقاة ، ولم يرَوا في ذلك منافاةً للحديث الشريف .
وأمّا المستند الثالث ، فقد كشف الفقهاء والمفسّرون المتأخّرون أنّ الصغار هنا هو حالة نوعيّة ، بمعنى أنّ نفس خضوعه للدولة الإسلاميّة سيجعل دفعه الجزية في حال صغار ، لا أنّ الصغار شيءٌ إضافي ، علماً أنّه لا إطلاق في الآية يشمل صغارهم في كلّ شيء ، بل يكفي تحقّق مسمّى الصغار فيهم ، لكي يفي ذلك بالحال المنصوب في الجملة ، كأن لا يملكوا قرار بلاد المسلمين وأمثال ذلك .
من هنا ، فهذه الأحكام الجزئية الكثيرة المبعثرة في علاقة المسلم بالذمّي ترجع إلى فهم فقهي قديم غير دقيق لهذا الحديث ولقاعدة العلوّ عموماً ، ولهذا استشكل مثل السيد الخوئي في هذا الحكم الذي جاء في سؤالكم ، وإشكاله في محلّه ( انظر : الخوئي ، منهاج الصالحين 1 : 400 ؛ والوحيد الخراساني ، منهاج
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 359
مساهمون: حيدر حب الله
ص٣٥٩