يأباها العقل السليم ويرفضها الذوق المستقيم ، فهذه المسألة بالغة النسبيّة ، فالذوق وقضاياه موضوعٌ معقّد خاضع للثقافات المختلفة ولصناعة الإعلام ووسائله .
وما أريد أن ألفت النظر إليه في موضوع بحثنا هنا هو أنّ الفقيه يتعامل مع الأمور كما يتعامل معها القانوني ، فالفقيه يقول بأنّ هذا الفعل جائز ، ولكنّه لا يقول بأنّه واجب أو مستحبّ ، وجواز فعلٍ من الأفعال من وجهة نظر القانون لا يعني حُسنه وجماليّته النهائية من وجهة النظر القيمية الأخيرة . لاحظوا معي أنّ غنيّاً كبيراً من الأغنياء جاءه فقيرٌ بالغ الفقر واحتاجه في مبلغٍ ماليٍّ هو بالنسبة للغني ( لا شيء ) ، هنا يقول القانون بأنّ الغنيّ غير ملزم بالدفع ، لكنّني لو أردت أن أصوّر الأمور بطريقة تراجيديّة لأمكنني أن أسفّه كلّ قوانين العالم التي تحكم بذلك ، وأجعل الناس تبكي على مثل هذا القانون .
إنّ الترخيص الذي يعطيه القانون لشيء ما لا يمنع من دخول عناصر أخلاقيّة على الخطّ أو ذوقيّة أو عرفيّة تستكرهه ، فالشرع والقانون يجيزان للإنسان الخروج بلباسه الداخلي إلى الشارع ، لكنّ هذا الأمر مستقبح في كثير من الأعراف . والشرع والقانون يجيزان للإنسان أن يبقى منظره قذراً لكنّ هذا الفعل مستقبح في أكثر الأعراف والأذواق . إنّ رؤية القانون للأشياء قد لا تلتقي مع رؤية الأخلاق أو العرف أو الذوق لها ، بمعنى قد تلتقي الرؤيتان وقد تختلفان ، وقد يكون ذلك أحياناً هنا وأحياناً هناك . ولهذا قلتُ في أكثر من مكان : إنّ الإسلام ليس فقهاً فقط ، بل هو منظومة كبيرة من الفقه والأخلاق . والشريعة إنّما تعالج جانب الحقوق والواجبات في علاقات الإنسان ، ولا تحسم الأمور في الأبعاد القيمية كلّها .
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 355
مساهمون: حيدر حب الله
ص٣٥٥