تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 345

مساهمون:

ص٣٤٥
لها ، قال الله تعالى : وثيابك فطهّر ، أي فشمّر . . » . والمقصود من تشمير الثوب أن لا يكون ملاصقاً للأرض بل يُرفع قليلًا ، ونقطة الخلاف بين الفقهاء تكمن في الحدّ الذي يقصّر الثوب إليه ، فكثير من الفقهاء المسلمين ذكروا أنّه إلى نصف الساق ، ولكنّ بعض الروايات - كخبر عبد الله بن هلال - فهم منه أنّه إلى الكعبين ، إلى أعلى القدم وأوّل الساق ، كما هو المتعارف اليوم . والذي يبدو لي بنظري المتواضع ، أنّ الحكم بتقصير الثوب هو حكمٌ طريقي لا غير ، فلا موضوعيّة له ، ولا استحباب متعلّق به لوحده ؛ وذلك أنّ المفهوم من الأحاديث هو أنّ تقصير الثوب جاء تعبيراً عن تطهيره وعدم تنجيسه ، والروايات عديدة في ربط هذا المفهوم بالآية القرآنية الآمرة بتطهير الثياب ، وهذا معناه أنّ العرب كانت ترخي الثياب وتطوّلها وتجرّها خلفها - كما هو تعبير خبر معلّى بن خنيس المتقدّم - فيمسّ الثوبُ الأرضَ ، كما هي الحال عند بعض النساء ، ويكون ذلك موجباً لاتساخ طرف الثوب الأسفل ونجاسته نتيجة التصاقه الدائم بالأرض ، فحصل الأمر بتقصير الثياب كي يكون ذلك أطهر لها ، ولهذا لاحظوا كيف أنّ أغلب الروايات السابقة تربط بين تشمير الثوب وبين فكرة الطهارة . وتطبيق فكرة التشمير في مورد الآية الكريمة يفرض علينا أن نأخذ الطهارة بعين الاعتبار ، وإلا صارت هذه الأحاديث منافيةً لظاهر القرآن الكريم ومفسّرةً له بما هو مباين للمعنى الظاهر من اللفظ ، وهذا التنافي يتضح ارتفاعه عندما نلاحظ أنّ التشمير تعبير عن تحقيق الطهارة في اللباس ، وعليه فمن الصعب الجزم بأكثر من ذلك في دلالة الأحاديث ، وينتج عنه استحباب - إن لم نقل
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 345 | حيدر حب الله