* المستند الرئيس في هذا الحكم هو اعتبارهم تغسيل الميت أمراً عبادياً ، كالوضوء ، وحيث ذهبوا إلى أنّ العبادات التي تأتي من المخالف باطلة لا تجزئ ولا يترتّب عليها الأثر ، فمن الطبيعي أن يقولوا هنا ببطلان هذا الفعل وكأنّه لم يقع .
إلا أنّ الصحيح - فيما توصّلت إليه بنظري القاصر - أنّ تغسيل الميت ليس من العباديّات ، بل هو أمر توصّلي ، فإنّ ما استدلّوا به على عباديّته قاصر ؛ لبطلان أصالة التعبّدية من جهة كما قرّر في أصول الفقه ، وعدم إفادة النصوص الدالّة على أنّه ليس هناك عمل إلا بنيّة وأمثال ذلك - على ما بحثته مفصّلًا في دراستي المتواضعة حول الضرائب المالية في الإسلام بين العباديّة والتوصّليّة - للتعبّديّة . أمّا مركوزية عباديّة التغسيل عند المتشرّعة فغير معلومة ، خلافاً لما ذكره السيد محسن الحكيم رحمه الله ؛ فإنّ المحرز أنّهم كانوا يقومون بتغسيل الميت انطلاقاً من الأمر الشرعي وامتثالًا له ، لأنّه لا يوجد دافع غير الدافع الشرعي للقيام بتغسيل الميت ، ولكن مفروض الكلام أنّه لو حصل مثل هذا الدافع وقام به شخص فهل كان المركوز في أذهانهم هو البطلان وعدم الإجزاء ؟ هذا غير معلوم ؛ لأنّ تلازم قصد القربة في تجربتهم مع فعل التغسيل لا يساوق مركوزية الحكم بالبطلان عند انعدام قصد الامتثال ، فيشكّ في هذا الارتكاز ، والمفروض أنّ الارتكازات من الأدلّة اللبيّة التي يساوق الشكّ فيها عدمها .
ومن ثمّ فلا دليل يثبت عباديّة مثل تغسيل الميت ، فيصحّ التغسيل من أيّ شخصٍ للميت المسلم ، إلا ما خرج بالدليل ، ولا دليل على خروج تغسيل المخالف - ما دام التغسيل توصليّاً - بعنوانه ، ما لم يقل الفقيه بكفر كلّ المخالفين ، وهو رأيٌ غير صحيح .
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 338
مساهمون: حيدر حب الله
ص٣٣٨