البداية حلّ إشكاليّة الوديعة والقرض لارتفعت كلّ مشاكل البنك ، لكنّ المشكلة تكمن هنا ، ولهذا فإنّ تسمية الوديعة البنكية تسمية قانونية وعرفيّة ، والفقهاء يصرّون على أنّها قروض من جميع الجهات ، وإلا فلو كانت ودائع لحرم على البنك أن يأخذ أرباح هذه الودائع ، بل عليه أن يعطيها بأجمعها لصاحب المال ، وإذا أراد أن يأخذ شيئاً في مقابل عمله فسوف تكون المعاملة التي بينه وبين صاحب المال ( المودع ) هي ما يسمّيه الفقهاء بالمضاربة ؛ لأنّ المضاربة تعبير آخر عن وضع رأس مال من قبل المالك عند عاملٍ يتاجر به ، ويكون للعامل نسبة من الربح ، فيما يكون الباقي للمالك صاحب رأس المال .
فنحن في البنك إمّا أن نعتبر الودائع البنكية وديعة بالمصطلح الفقهي ، فيلزم أن نقبل بعود كلّ رأس المال مع كلّ أرباحه إلى المودع ، وهذا خلاف الواقع والمقصود في المعاملات التي تكون بين البنوك والمودعين ، أو نعتبرها مضاربةً بمعنى أن يضع المودع المال عند البنك ليشتغل فيه ويأخذ مقابل عمله حصّةً من الربح ، وهذا يلزم منه أن يكون ربح البنك وربح المودع تابعاً لما تنتجه العمليّة التجاريّة ، فلو لم تنتج شيئاً لا يكون للاثنين شيء ، وهذا أيضاً خلاف روح الإيداعات البنكية والفوائد المصرفيّة ؛ لأنّ المفروض أنّ المودع يأخذ الفائدة على كلّ حال مهما كانت حالة الربح عند البنك أو درجتها ومعدّلها ، فليس أمامنا إلا أن نعتبرها قرضاً ، وبهذا تكون الفائدة البنكية تعبيراً آخر عن قرض من قبل المودع جرّ له نفعاً ، وهذا هو الربا .
ولهذا حاول الفقهاء المتأخّرون ابتكار تخريجات فقهيّة لهذه المعاملات تسمح بنتائجها القائمة اليوم ، في الوقت عينه الذي تخرجها عن حالة القرض ، وإلا فكونها وديعة ممّا لا يمكن الالتزام به فقهيّاً عندهم .
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 335
مساهمون: حيدر حب الله
ص٣٣٥