الجواب الأوّل : ما طرحه عدد من العلماء المسلمين من أنّ ( والمقيمين الصلاة ) جاءت عطفاً على ( ما أنزل إليك ) فيكون المقصود : المؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وبالمقيمين الصلاة ، والمراد من الإيمان ب - ( المقيمين الصلاة ) هو الإيمان بالأنبياء ، وقيل : بالملائكة ، وقيل : بالأئمة ، أي أنّ هؤلاء هم مقيمو الصلاة الذين يؤمن المؤمنون بهم ، كما يؤمنون بما أنزل إليك . وبعضهم تبنّى هذا الكلام ، لكن فسّر الإيمان ب - ( المقيمين الصلاة ) بأنّه الإيمان بإقامة الصلاة نفسها .
وهذا الجواب في تقديري منسجم مع نفسه ، من حيث ربط جملة ( والمقيمين الصلاة ) ربطاً متصلًا بالجملة التي سبقتها ، أي ( بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ) ، لكنّ المشكلة أنّها لا توضح لنا ما معنى الجملة اللاحقة عليها ، وهي : ( والمؤتون الزكاة ) ، إذ من المفترض حينئذٍ أن ترجع إلى قوله : ( والراسخون ) وكذلك ( والمؤمنون ) ، ويكون خبر الجميع هو قوله تعالى : ( أولئك سنؤتيهم . . ) فيما تكون جملة : ( يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ) أشبه بالمعترضة أو صلةً لاسمٍ موصول مقدّر ، والمعنى : والمؤمنون - وهم الذين يؤمنون بما أنزل إليك . . وكذلك المؤتون الزكاة و . . أولئك سيؤتيهم أجرهم . وعلى هذا التقدير سنشهد تكراراً لجملة المؤمنون ، لأنه أدخلهم في المبتدأ بعد الراسخين ، ثم كرّرهم مرّة أخرى بعد الذين يؤتون الزكاة ، فالجملة من الناحية البلاغية مرتبكة ، لهذا يبدو لي هذا التفسير غير موفق ، إلا إذا افترضنا - كما سيأتي - أنّ الآية فيها جملتان ثانيتهما خبرها ( أولئك ) ، فيما الأولى خبرها ( يؤمنون ) .
أضف إلى ذلك أنّ هذا التفسير المتداول في مصادر المسلمين لا يبيّن لنا مبرّر تخصيص وصف ( المقيمين الصلاة ) بالأنبياء أو الملائكة أو الأئمة ، مع أنّ هذه الصفة عامّة تشمل غيرهم أيضاً ، ولا يبدو واضحاً أنّ هناك شيئاً في عالم الإيمان
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 287
مساهمون: حيدر حب الله
ص٢٨٧