قال الطبري : « وقوله ( كلّا ) يقول تعالى ذكره : ما هكذا ينبغي أن يكون الإنسان أن ينعم عليه ربه بتسويته خلقه ، وتعليمه ما لم يكن يعلم ، وإنعامه بما لا كفؤ له ، ثم يكفر بربه الذي فعل به ذلك ، ويطغى عليه ، أن رآه استغنى » .
وقال الزمخشري : « [ كلّا ] ردع لمن كفر بنعمة الله عليه بطغيانه ، وإن لم يذكر لدلالة الكلام عليه [ أن رآه ] أن رأى نفسه ، يقال : في أفعال القلوب : رأيتني وعلمتني ، وذلك بعض خصائصها . ومعنى الرؤية : العلم ، ولو كانت بمعنى الإبصار لامتنع في فعلها الجمع بين الضميرين ، و [ استغنى ] هو المفعول الثاني » .
التعليق : ما ذكره الطبري والزمخشري فيه تأويل وتقدير لا شاهد له من الكلام أصلًا ، فليس هناك حديث سابق عن طغيان الإنسان أو كفره أو جحوده ، ولو كان فهو فيما بعد ( كلّا ) لا فيما قبلها ، ولهذا فالأنسب جعل ( كلّا ) في الآية بمعنى ( حقاً ) ، وهي أشدّ وأفضل من ( ألا ) ؛ إذ في سياق الآيات هناك حاجة للتشديد ، فالله يذكر النعم الكثيرة ، ويريد في المقابل أن يبيّن عظم فعل الإنسان في طغيانه .
الآية الثامنة والعشرون : قال تعالى :
( أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى * عَبْداً إِذا صَلَّى * أَ رَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى * أَ رَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى * كَلاَّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ )
( العلق : 9 - 15 ) .
قال الطبري : « وقوله
( كَلاَّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ )
يقول : ليس كما قال : إنه يطأ عنق محمد ، يقول : لا يقدر على ذلك ولا يصل إليه . وقوله :
( لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ )
يقول : لئن لم ينته أبو جهل عن محمد
( لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ )
يقول : لنأخذن بمقدّم رأسه ، فلنضمنّه ولنذلّنه ؛ يقال منه : سفعت بيده : إذا أخذت بيده . وقيل : إنّما قيل :
( لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ )
والمعنى لنسوّدن وجهه ، فاكتفى بذكر الناصية من الوجه