أكرم من أكرمت بطاعتي ، وأهين من أهنت بمعصيتي .
وقال آخرون : بل أنكر جلّ ثناؤه حمد الإنسان ربه على نعمه دون فقره ، وشكواه الفاقة ، وقالوا : معنى الكلام : كلّا ، أي لم يكن ينبغي أن يكون هكذا ، ولكن كان ينبغي أن يحمده على الأمرين جميعاً ، على الغنى والفقر .
وأولى القولين في ذلك بالصواب : القول الذي ذكرناه عن قتادة ؛ لدلالة قوله : ( بل لا تكرمون اليتيم ) والآيات التي بعدها ، على أنه إنما أهان من أهان بأنه لا يكرم اليتيم ، ولا يحضّ على طعام المسكين ، وسائر المعاني التي عدّد ، وفي إبانته عن السبب الذي من أجله أهان من أهان ، الدلالة الواضحة على سبب تكريمه من أكرم ، وفي تبيينه ذلك عقيب قوله :
( فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ )
بيان واضح عن الذي أنكر من قوله ما وصفنا » .
أما الزمخشري فقد أوجز هنا على خلاف الطبري ، فقال : « كلّا ، ردع للإنسان عن قوله ، ثم قال : بل هناك شرّ من هذا القول ، وهو أنّ الله يكرمهم بكثرة المال ، فلا يؤدّون ما يلزمهم فيه من إكرام اليتيم بالتفقّد والمبرّة . . » .
التعليق : يبدو أن تفسير الطبري للآية أوجه التفاسير ؛ إذ لم يأت كلامٌ عن الحمد على الأمرين حتى يقحم في دلالة ( كلّا ) ، والآية كأنها تريد نفي المعادلة التي أسّسها الإنسان لنفسه بربط الإكرام والإهانة بكثرة المال وقلّته . والاحتمال الآخر في دلالة الآية ، بقرينة ( بل لا تكرمون اليتيم . . . ) أن يقال برجوع النفي إلى الآية الأخيرة بمعنى : كلّا ، إنّ ما تقولونه من أنّ الله أهانكم عندما قتر المال عليكم غير صحيح ، بل إنما قتره عليكم لأنكم أنتم فعلتم ذلك بأنفسكم ، إذ لم تكرموا اليتيم ولم تتحاضّوا على طعام المسكين ، وذهبتهم تأكلون المال أكلّا لمّا . .