المتواضعة هو أنّ هذه الآية خاصّة بالدين ، أي أنه في القرآن الكريم توجد كلّ الأمور الدينية ، ثم رأيت بنظري القاصر أنّ المقصود من الكليّة هنا هو الغالبية ، ولهذا فإنّني أعتقد بأنّ القرآن يحوي أغلب الدين الذي نزل على محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلّم ، وقد فصّلت ذلك في كتابي ( حجيّة السنّة في الفكر الإسلامي ، قراءة وتقويم ) ، وأعتقد بأنّ هذه النتيجة لها تأثير كبير على الاجتهاد الديني .
أمّا أنّ هذه الآية الكريمة مختصّة بالدين ولا يعلم شمولها لغيره ، فقد ذكرت هناك أنّ العموم الوارد في الآية لا يراد منه العموم التامّ ، بل العموم في قضايا الهداية والدين وأمثال ذلك ، وشاهد ذلك نابعٌ من السياق العام ؛ ذلك أنه لو كان بين يديك كتاب في الفيزياء وقيل لك : لقد استوعب هذا الكتاب تمام الأمور ، فلا تتصوّر أن يريد القائل أنه استوعب أحداث التاريخ ، بل نفس كون الكتاب الذي يجري الحديث عنه في الفيزياء يصلح قرينة على إرادة تمام أمور الفيزياء ، وهكذا لو حملت كتاباً في التاريخ وقيل مثله فيه فلا يفسّر إلا على الاستيعاب النسبي لا المطلق ، ولما كان القرآن الكريم كتاب دين وهداية ورشاد في العقل البشري والفهم العرفي له والسياق التاريخي ، فإنّ الحديث عنه بلغة ( كلّ شيء ) يجعل القدر المتيقّن من الدلالة هو القضايا الراجعة إلى هداية الناس لسبيل الله ودينه وما شابه ذلك لا مطلق الأمور ، ولا أقلّ من أنّ هذا السياق المقامي ومناسبات الحكم والموضوع تعيقان حصول اطمئنانٍ بالشمول التام المذكور .
وربما يكون هذا هو السبب الذي دفع بعض المفسّرين إلى تفسير الكليّة هنا بالدين أو بالحلال والحرام ( انظر : النحاس ، معاني القرآن 4 : 101 ؛ وتفسير السمرقندي 2 : 287 ؛ وتفسير ابن أبي زمنين 2 : 415 ؛ والجصاص ، أحكام
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 182
مساهمون: حيدر حب الله
ص١٨٢