تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
سلب إنسانٍ مسالمٍ الروحَ ، ولكن لا يوجد قبح فاعلي ، وذلك فيما إذا علم القاتل أنّ هذا الإنسان المسالم يريد قتله فقتله ، وتبيّن بعد ذلك أنّه كان مخطئاً ، فهنا لم يصدر منه قبح فاعلي بل صدر منه قبح فعلي . وبتعبير آخر : إنّ الفعل بملاحظة صدوره من الفاعل ليس فيه سوء ، حتى ننسب السوء إلى الفاعل ، بل فيه حُسن ، لكنّ الفعل بملاحظة حال المفعول به فيه سوء ، وهذا السوء يتحمّله المفعول به لأنه أخذه باستحقاقه ، ولا يتحمّله الفاعل . والنبي إبراهيم أراد لأبيه أن يحظى بفعلٍ إلهيّ يكون حُسنه ثنائي الطرف ، فهو بالنسبة للفاعل حسن ، وبالنسبة للمفعول به حسن أيضاً . ثانياً : إنّ الآية الكريمة تحتمل وجهاً بليغاً في التعبير ، وهو أنّني أخاف عليك أن يلحقك عذابٌ ممّن هو رحمان ، في تعبيرٍ مجازي عن أنّك مستحقّ لهذا العذاب وأنّك المتحمّل لمسؤوليته ، فأن يصدر العذابُ من شخصٍ علامتُه الرحمة معناه أنّ هذا العذاب حقّ ، وأنّ من نزل عليه العذاب كان مستحقّاً له ، فالشخص الغضوب الهجومي العدواني لو عذّب شخصاً لاحتملنا أن يكون عذابه هذا له بغير وجه حقّ ؛ لأنّ طبعه العدوان ، أمّا لو صدر العذاب من شخص لطالما عهدناه رحيماً رؤوفاً عطوفاً متسامحاً صبوراً ، فهذا معناه - بحسب ما يفهم العرف والعقلاء - أنّ من نزل عليه العذاب قد فعل فعلًا هو بالتأكيد يوجب استحقاقه للعذاب ، لتضاؤل احتمال دوافع أخرى فيه ، وهذا أمر منطقي ومعقول جدّاً ؛ لهذا أحتمل جدّاً أن يكون هذا التعبير في الآية الكريمة بليغاً ذا معنى لطيف فليلاحظ ذلك ، ومن ثمّ فلا يوجد تنافٍ بين ما قاله العرفاء والمفسّرون وبين طبيعة البُعد الدلالي والبلاغي في الآية الكريمة ، فهذا مثل قولك : إنّ رأي فلانٍ لا يقول به جاهل فضلًا عن عالم ، في إشارةٍ بليغة لشدّة ضعفه ووهنه ووضوح ذلك فيه .