إلا أنّ هذه الشواهد الحافّة إذا قصد منها الاحتكام إلى نصوص آحاديّة ولو كانت معتبرة سنداً ، فقد يجد الإنسان حديثاً هنا وآخر هناك كذلك ، لكن لمّا كان الصحيح - لا سيما في مثل هذه الموضوعات - هو مرجعيّة الحديث المعلوم الصدور ، فقد يكون من الصعب هنا التأكّد عبر هذه الشواهد من نزول السورة قبل وفاة أبي لهب وزوجته . ومجرّد اشتهار مكيّة السورة في كلمات المفسّرين لا يعني صحّة ذلك ، فإنّه من الممكن أنّهم اعتمدوا على مثل المرويّات المتقدّمة التي تكشف عن أنّ السورة كانت في حياة أبي لهب وفي مكّة المكرّمة . كما أنّ مجرّد عدم ذكر رواية في مصادر الحديث والتفسير عن نزولها في المدينة المنوّرة عقب وفاة أبي لهب ووصول خبر وفاته إلى المسلمين في المدينة ، لا يعني أنّها لم تنزل في المدينة ، فهناك أمور كثيرة لم تصلنا من وقائع التاريخ الأوّل . ولعلّ ابن عباس وغيره ممّن ذكروا مكيّة السورة اجتهدوا في ذلك من خلال بعض القرائن التي قد لا تقنع الآخرين اليوم .
كما أنّ لحن السورة وإن كان متناسباً مع الفترة المكيّة ، إلا أنّ تناسبه هذا يمكن فهمه ولو كانت السورة مدنيّة ؛ لأنّ موضوع السورة عبارة عن شخصيّتين ترجعان إلى تجربة المسلمين في مكّة المكرّمة ، فمن الطبيعي أن يكون تناول الموضوع متناسباً مع وقائع مكّة حتى لو كانت السورة مدنية .
والنتيجة هي أنّ تحصيل اليقين بأنّ هذه السورة مكيّة نزلت في حياة أبي لهب وزوجته يبدو لي عسيراً ، فلو اقتنع شخصٌ بهذه الشواهد وحصل له منها اطمئنان فبها ، وإلا فيصعب جعل هذه السورة من مصاديق الإعجاز الغيبي في القرآن الكريم ، نعم مجمل المعطيات المتقدّمة داخل وخارج السورة تجعل الظنّ الغالب لصالح نزول السورة في حياة أبي لهب وزوجته .
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 177
مساهمون: حيدر حب الله
ص١٧٧