تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 136

مساهمون:

ص١٣٦
نسألك : ما الذي حصل من فرقٍ بين حركتك الأولى الخفيفة وحركتك الثانية الشديدة ؟ وسوف يكون الجواب هو : إنّ المائز بين الحركة الأولى والحركة الثانية هو الحركة ؛ لأنّ الذي ميّز الحركة الشديدة عن الحركة الخفيفة هو الحركة ؛ فإنّ الحركة الزائدة هي التي كوّنت حركتين : شديدة وخفيفة ، فنقطة الاختلاف ( الحركة ) هي بعينها نقطة الاتفاق ، وهي الحركة أيضاً ، فقد اختلفت الحركة مع الحركة في الحركة واتفقت معها في الحركة ؛ لأنّ كليهما حركة ، وهذه هي الكثرة في عين الوحدة والوحدة في عين الكثرة ، فضوء الشمس لمّا ينطلق منها نحونا لا يختلف الواصل إلينا عن الصادر منها إلا بالشدّة والضعف . والشدّة والضعف في الضوء مثل الشدّة والضعف في الحركة . وإذا طبّقنا هذه المفاهيم على الله تعالى يقول لك الفلاسفة الصدرائيّون : إنّ الله لما أطلق تجلّيه وشعاعه في العالم ، ظهر بظهورات متعدّدة مثل ضوء الشمس ، ومثل أمواج البحر التي هي مظاهر متعدّدة لشيء واحد هو البحر نفسه ، وكلّما نزل ( وهذا هو قوس النزول ) بدأ الظهور يأخذ شكلًا أضعف ، إلى أن وصل إلى عالم المادة ، فظهر هذا العالم الذي هو الكون . والمطلوب من الإنسان اليوم أن يتحرّر من الظهور الأدون ليعرج إلى الله ( وهذا هو قوس الصعود ) ، والإنسان الكامل عرج - وهو في الدنيا - فعاد إلى أصله ( وإليه المصير ، إليه راجعون ) الذي هو الله ، واتحد معه في مقام الفعل لا الذات ؛ لأنّ مقام الفعل هو بداية ظهور التجلّي وإلا فمقام الذات هو منطقة الكمون ، إذا صحّ التعبير ، ولهذا عبّروا عنها بغيب الغيوب . إذن ، لو وضعنا نظرية أصالة الوجود ، ثم أضفنا إليها نظرية التشكيك ، سنفهم بالضبط ماذا يريد العرفاء بالتجلّي ، وندرك معنى كلمة مراتب الوجود ،