تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 134

مساهمون:

ص١٣٤
وجودات ، نبدأ بالعالي منها وننتهي بالداني ، وهي : الوجود الأول : هو الوجود الحقيقي ، أي هو وجود زيد في الخارج ، وهذا هو الوجود الأصل الذي تحاكيه سائر الوجودات ، كما سيظهر . الوجود الثاني : الصورة الذهنية التي أملكها أنا عن زيد في عقلي ، وطبعاً ليس المقصود بالصورة الذهنية بالضرورة العنصر الخيالي ، بل المعلومة التي أملكها ، وهي أنّ هناك شخصاً اسمه زيد موجودٌ في الخارج وله مواصفات كذا وكذا ، وهذه يسمّونها بالوجود الذهني ، ولنلاحظ هنا كيف يعبّرون ، فهم يقولون : زيدٌ له وجود خارجي ، وله وجود ذهني . الوجود الثالث : الوجود اللفظي ، وهو كلمة زيد التي ننطق بها وما تحكيه عن زيد باللسان ، فهنا زيد صارت له ثلاثة وجودات : الحقيقي والذهني واللفظي . الوجود الرابع : الوجود الكتبي ، فكلمة زيد التي أكتبها الآن ، ولا أنطق بها في لساني ، هي موجودة في عالم الكتابة ، وهذا هو الوجود الكتبي لزيد . إذن ، فقد صارت لزيد أربعة وجودات : خارجي ، وذهني ، ولفظي ، وكتبي ، بصرف النظر عن النقاش في هذا المثال من حيث مجازية الوجودين الأخيرين كما قيل ؛ لأنّنا أخذناه بوصفه مثالًا فقط ، وعليه فهكذا يعبّر كثيرٌ من المشتغلين بالفلسفة . لكنّ العرفاء وأتباع الحكمة المتعالية إذا أرادوا أن يعبّروا عن نفس الفكرة رأينا لهم أسلوباً آخر ، فهم يقولون مثلًا : إنّ لزيد أربع مراتب وجودية ، فأعلى هذه المراتب وأوسعها وأكملها هي الوجود الحقيقي له ، ثم الوجود الذهني ، ثم . . وهكذا . إنّ التعبير عن هذه المفاهيم الأربعة بأنّها مراتب للوجود جاء - في حقيقة الأمر - من نظرية التجلّي ؛ لأنّ العرفاء ، وبالأخص بعد الشيخ ابن عربي