ونعرف أنّهم يرون لكلّ شيء في هذا العالم مراتب وجودية ، ويرجعونه إلى هذه المراتب .
من هنا ، يفترض العرفاء وفلاسفة الحكمة المتعالية - إذا جاؤوا إلى القرآن الكريم - أنّ وجوده المادي هنا لابد أنّ له وجوداً فوقيّاً علوياً ؛ لأنّ القرآن الكريم صادرٌ من الذات الإلهيّة ومن مقام العلم الذي نتج عنه الكتاب العزيز ، وهذا هو مقصود العلامة الطباطبائي ، جريّاً على نظريّتي أصالة الوجود وتشكيك الوجود من جهة ( وطبعا هناك الكثير من المقدّمات المطوية التي يصعب بيانها في هذه العجالة ، مثل البساطة والتركيب والقضايا المتصلة بالوجود عموماً ) ، وأساسيات نظرية التجلّي من جهة ثانية .
لكن في مقابل هؤلاء يأتي القائلون بأصالة الماهيّة ، وهم يقولون بأنّ المتحقّق في الخارج هو الماهيات ، أي الشجر والحجر ، ونظريّتهم هذه تنسجم مع الذهن العرفي للإنسان العادي ؛ لأنّنا نقول بأنّ الشجرة موجودة ، والإنسان موجود ، فننسب الوجود للماهية ، ونجعل الماهية هي المتحقّقة في الخارج ، أمّا القائلون بأصالة الوجود فلا يرون أنّ هناك ماهيةً لها تحقّق ، وإنما المتحقّق هو الوجود فقط ، ونحن ننتزع الشجرية والحجرية والإنسانية من ألوان ظهور الوجود وتجلّيه وتمظهره ، ومن الطبيعي هنا أنّ الذهن العرفي لا قيمة له ، فنحن لا نتحدّث عن فهم النصوص حتى نجعل العرف حجّةً ومعياراً ، وإنّما نتحدّث عن حقائق تكوينية ومنهج فلسفي دقيق ، ولهذا قال المحقّق الإصفهاني بأنّ أصالة الماهية أصالة عقلائيّة وأصالة الوجود أصالة عقليّة . هذه خلاصة عن الفكرة وأمّا تقويمها فله مجال آخر .
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 137
مساهمون: حيدر حب الله
ص١٣٧