تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 131

مساهمون:

ص١٣١
ولهذا يقولون في الفلسفة بأنّ التصور هو الذي يمنح التصديق وجوداً وجودةً كما يحلو لبعضهم أن يعبّر . حسناً ، عندما أتى الفيلسوف للتصوّر ، رأى أنّه لم يكن ليحصل لديه لولا الحسّ ، فالحسّ كان المصدر الأصليّ للتصوّرات التي أتتني من الخارج ، وأنّ الذات المدرِكة لم يكن لها سوى دور التلقي لما أتاها عبر الحسّ ، فانتقشت الصورة في الذات المتلقيّة انتقاشاً قهريّاً ، لكن عندما نظر الفيلسوف إلى التصديق ، رأى أنّ الحسّ بنفسه لا يعطي تصديقاً ، إنّه فقط يلقي صورةً من الخارج ، وهناك شيء آخر دخل على الخطّ عندما انفتحت عينيّ على الخارج ، وهذا الشيء الآخر هو العقل وقضاياه ، فلولا العقل - بما يحمله من مخزون - لما أمكنني بمجرّد تماسّ الحسّ مع الخارج أن يحصل لي تصديق بالخارج ، فإنّ كلّ ما حصل لديّ هو أنّ صورةً ارتسمت في ذهني لحظة فتح عينيّ ، لكن هل هذه الصورة تحكي عن شيء خارجي أم لا ؟ فهذا موضوع آخر لا يفي به الحسّ الذي كان دوره إلقاء الصورة في الجهاز الإدراكي . وإذا كنّا نحن نشعر ببداهة هذا الأمر وأنّ ما حكت عنه الصورة موجودٌ في الخارج ، فإنّ هذا الشعور - من وجهة نظر الفيلسوف - جاء نتيجة تراكمات ، أو نتيجة دليل عقلي مختزن مستكنّ في الذهن البشري ، أو نتيجة مفهوم بديهي كان يحمله العقل وتبلور لحظة حصول التصوّر ، والسبب في قناعتهم هذه هو أنّ مجرّد حصولنا على صورة وشعورنا بها لحظة فتح عيننا على شيء لا يدلّ بالضرورة على وجود شيء غير هذه الصورة ، لهذا فنحن بحاجة إلى معطى عقلي يفضي بنا إلى التصديق ( الذي هو فعل نفساني ) بوجود محاكٍ لهذه الصورة في الخارج ، مثلًا بعضهم يستدلّ - بصرف النظر عن صحّة هذا الاستدلال - بأنّ الصورة حدث