موجزة إن حكمة الإشراق هي المدرسة الإسلاميّة التي سعت للتوفيق بين العرفان والفلسفة ، معتقدةً بدور العقل والقلب معاً في الوصول إلى الحقيقة ، وأنّ الكشف القلبي هو ترقٍّ وتعالٍ للكشف العقلي وليس نقيضاً له ، ومن هنا يمكن التعبير عنهم بأنّ لديهم فلسفة عرفانية ، وهذا غير العرفان النظري الذي يعبّر عن صياغة الكشف القلبي في قالب منظم ومرتبط الأجزاء بطريقة يمكن من خلالها نقل صورة معرفيّة للآخر عن رؤية العارف للوجود ، وهذا ما كان تتويجه على يد ابن عربي في كتاب ( فصوص الحكم ) مثلًا ، بينما جاء ابن تركة الإصفهاني والقونوي وأمثالهم ليقدّموا فلسفةً لعرفان ابن عربي ، ويبرهنوا على صحّة ما صاغه في عرفانه النظري في هذا الكتاب أو غيره .
وأمّا الفرق بين العرفان العملي والأخلاق ، فهو أنّ الأخلاق مفهومٌ يرتبط تارةً بالجانب الاجتماعي المعروف ، وأخرى يتصل بالجانب الروحي ، فهناك أخلاق جوارح وأخلاق جوانح ، ففي أخلاق الجوارح يأتي التصدّق على الفقير ، وإلقاء السلام على الناس ، والنظر إلى المتخاصمين في القضاء ، والابتسامة للآخرين ، وزيارة المرضى وغير ذلك ، وأمّا في أخلاق الجوانح فهناك التطهّر من الحسد والحقد والضغينة ، وهناك مجاهدة النفس في مواجهة المحرّمات ، وهناك الصبر ، وهناك الخشوع في الصلاة ، وحبّ الله تعالى ، وهناك حبّ الغير حبّاً في الله ، وغير ذلك .
أمّا العرفان العملي ، فهو مرحلة لاحقة على هذين الفرعين من علم الأخلاق عندهم ، لأنّه ينطلق في رحلة روحية سلوكيّة للاتصال بالعالم العلوي ، والسفر عبر العوالم للوصول إلى الله تعالى بالقلب والشهود ، وبهذا ميّز الغزالي بين ما أسماه علم المعاملة وعلم المكاشفة ، وأدرج كلّ مباحثه الأخلاقية تقريباً - والتي
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 121
مساهمون: حيدر حب الله
ص١٢١