ويرون أنّ العلم الحصولي لا يوصل الإنسان إلى المعرفة الحقيقيّة ، بل لديهم أحياناً انتقادات على العقل وجدوائيّة عمله في معرفة الحقائق ، ولطالما وصفوا الاستدلال والمنهج البرهاني والعقلي بأنّ له رِجْلًا خشبيّة ، كما عبّر جلال الدين الرومي ، فالعرفاء يتخذون موقفاً نقديّاً من العقل بهذا المعنى ، ويرون معرفته الحصوليّة صورة معرفة ، وليست معرفةً حقيقيّة ؛ لأنّ المعرفة الحقيقيّة للشيء هي بالاتحاد معه ، فالمعرفة عندهم تقوم على الوجود عبر حضور المعلوم عند العالم ، لا على الماهية والمفاهيم عبر حصول التصوّرات الذهنيّة في العقل .
أمّا الإشراقيّون فهم يحاولون الدمج بين الاتجاهين منهجيّاً ، وهم بذلك يسبقون مدرسة صدر المتألّهين الشيرازي في التوفيق بين النصّ والعقل والقلب ، غاية الأمر أنّ هناك نقاشاً في مدى نجاح هذه المدرسة الإشراقيّة في تحصيل المصالحة الثلاثيّة هذه ، ومنهجهم يقوم على الجمع بين السلوك والاستدلال ، فهم يعيرون للمنهج البرهاني اهتماماً ويرونه صحيحاً ومفيداً ، على خلاف العرفاء بما هم عرفاء . وهم - أي الإشراقيون - يعتقدون أنّ العلم الحصولي كمالٌ ، على خلاف العرفاء الذين يرونه تافهاً ، بل يترقّى أنصار حكمة الإشراق فيقولون - كما ينصّ السهروردي نفسه - بأنّ فهم حكمة الإشراق والوصول إلى غايتها المنشودة ، لا يكون إلا بالمراس والخبرة في العلوم البرهانية الاستدلاليّة ، فمن لم يكن خبيراً بهذه العلوم لا يستطيع السير والسلوك ، وهذا على خلاف منهج العرفاء الذين قال بعضهم بأنّ هذا العلوم تمثل حُجُباً عن السير والسلوك .
والعرفان النظري ليس سوى صياغة لحصيلة تجارب العارف ، لا محاولة فلسفيّة برهانيّة استدلاليّة ، كما نشهده مع السهروردي ، وإذا ما فعلوا ذلك فإنّهم يفعلونه بما هم فلاسفة لا بما هم عرفاء ، تماماً كما حصل مع الشيرازي . وبعبارة
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 120
مساهمون: حيدر حب الله
ص١٢٠