الناس وزعيماً عليهم ، فكأنّه يقول له ما قاله لسليمان من أنّه بعد أن آتيتك النبوّة سأستجيب لك بأن أجعلك ملكاً على الناس ، فهناك أنبياء عاشوا وماتوا منبوذين ومظلومين ، وهناك أنبياء حظوا في الدنيا بمقام الرئاسة على الناس ، كما هي الحال مع النبي داوود والنبي سليمان والنبي محمد عليهم جميعاً أفضل الصلاة والسلام ، فكما جعل الله داوود خليفة في الأرض بعد أن كان نبيّاً ، وكان معنى خلافته أنّه سيملك الرئاسة والإمرة واتّباع الجماهير له والانقياد المجتمعي له ، كذلك الحال في إبراهيم النبي ، فمقام الإمامة هنا ثابت ، لكنّه لا يفيد أنّه أعلى من مقام النبوّة ، ولا يعني مقام الإمامة بذاك المعنى العقدي عند الشيعة ، بل بالمعنى اللغوي العادي ، كما هي الحال مع داوود النبي الذي جعل خليفة في الأرض بعد أن كان نبيّاً فصار يحكم بين الناس بالعدل كما دلّت الآية الكريمة :
( يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ )
( ص : 26 ) .
وعندما نربط الظلم بمقام الرئاسة والإمامة والخلافة بهذا المعنى ، فإنّ العرب تفهم من ذلك الظلمَ مقابل العدل بين الناس ، فإذا قلت : إمام المسلمين ظالم ، فإنّ المعنى المنصرف عرفاً هو ظلمه للرعيّة ، لا أنّه ظالم لنفسه بفعل معصيةٍ ما ، كالنظر غير الحلال أو الغيبة ، ويكون معنى الآية الكريمة كالتالي : يا إبراهيم ، لقد كنت نبيّاً وابتُليت وصبرت ونجحت ، وسوف يمنّ الله عليك بأن يرفع مقامك بين الناس ، فيتّبعوك وينصاعوا لك ، وتكون لك - عملًا وتكويناً - الإمرة الشرعيّة عليهم والنفوذ والمرجعيّة ، فقال إبراهيم : وهل يكون ذلك لأحد من ذريّتي ؟ فقال له الله : نعم ، إنّني أعطي الإمامة الشرعيّة لمن لا يكون ظالماً للناس ،