تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 107

مساهمون:

ص١٠٧
بعض الناس يوجّه نقداً لفطرية الدين إلى درجة تخطئة المعصوم في قصّة الغرق ، فيقولون : إنّ الطفل الصغير ( إذا لم يلقّن فكرة الله ) لا ينادي الله أو يشعر بشيء تعلّق به قلبه ( كما ورد عن أحد الأئمّة ) ، بل ينادي أمّه مثلًا ، ما هو تعليقكم ؟ * المسألة ليست مسألة من هو الشخص الذي نتوجّه إليه ، وما هي التعابير التي نطلقها عندما نشعر بالخوف وانعدام الأمل . فالفلاسفة المسلمون والمسيحيّون الذين اعتنوا بما عُرف ببرهان الفطرة في إثبات الباري تعالى - بصيغة الأمل أو الحاجة ، لا بصيغة الحبّ للمطلق ؛ إذ هي صيغةٌ أخرى لهذا البرهان استخدمها بعض فلاسفة الغرب المؤمنين - كانوا يقصدون أنّ الإنسان في حالات الخطر والخوف وفقدان فرص النجاة يشعر بالأمل أو بالحاجة الشهودية - وليس الفكريّة - إلى شيء ما يحسّ هو أنّ هذا الشيء قادر على تخليصه من مشكلته ، وعندما يمثلون بحالة السفر في البحار فهم يأخذون هذا المثال تعبيراً عن حالة فقدان الأمل بأيّ قدرة محدودة على إنقاذهم - وأركّز على كلمة ( محدودة ) - وأنّ الإنسان في حالات فقدان الأمل بكلّ القدرات المحدودة يبقى لديه أمل بقدرة تستطيع مهما كانت الظروف أن تخلّصه من مشكلته ، أمّا ماذا نسمّي هذه القدرة ؟ وهل نسمّيها الله أو نصطلح عليها باسمٍ آخر ؟ فهو موضوع ثانٍ . إنّهم يرون أنّ الإنسان في البحر يتطلّع لقدرة غير محدودة ، ويحسّ بالوجدان بالأمل بقادرٍ استثنائي ، لا بنجاة اتفاقية صدفتية محتملة بدرجة ضئيلة ، فالقضية من وجهة نظرهم ليست في الأمل بحصول النجاة صدفةً ، مع كون احتمال تحقّقها في غاية الضآلة ، وإنّما في انبعاث هذا الشعور العميق في النفس الإنسانية بطرف آخر اسمّيه هنا الآن بالقادر الاستثنائي ، وهذا الشعور لا يخلو منه إنسان ،
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع — صفحة 107 | حيدر حب الله