نراه من الحقّ في الدين والمذهب ، فننطلق من ذلك إلى افتراض تقصيره في المقدّمات ؛ إذ لولا تقصيره لوصل ؛ ونعزّز هذا الكلام بأنّ ما نعتقده حقاً هو أمور فطريّة ينبغي أن تكون حاضرةً عند الإنسان ، فلولا تقصيره لحضرت عنده ، فنخرج بنتيجةٍ تقضي بتقصيره ، ولهذا نتّهم هذا الشخص بالعصيان وعدم العدالة .
وهذه الحالة وهذا الاستنتاج في غير محلّه إذا أريد منه تقعيد قاعدة ، وذلك :
أوّلًا : لا ملازمة بين الخطأ والتقصير ، لا عقلًا ولا عرفاً ولا شرعاً ولا عادةً ، فقد لا يقصّر الحاكم لكنّه يخطأ ، ولا يقصّر القاضي لكنّه يخطأ ، ولا يقصّر الفقيه لكنّه يخطأ ، فإذا عمّمنا القاعدة لكلّ خطأ لزم الحكم بفسق تمام المجتهدين والفقهاء والمتكلّمين والفلاسفة والحكّام والقضاة و . . وهو ما لا يقبله عقلٌ سليم ولا يقرّه منطق قويم ، وليس كلّ المسائل العقديّة من الأمور الفطريّة الواضحة .
ثانياً : إنّ الأمور الفطريّة - كما حُقّق في محلّه - من القضايا التي قد تضمر في الإنسان نتيجة عوامل خارجيّة ، وهذه العوامل ليست منحصرةً في التقصير ، بل التقصير أحد أسبابها ، وإلا فالتربية في بيئةٍ فاسدة منذ الطفولة يساعد على ضمور بعض الفطريّات ، وأيّ تقصير لهذا الشخص الذي خُلق في هذه البيئة ، ولعلّ هذا هو معنى ما ورد في بعض الروايات « 1 » من أنّ الإنسان يولد على الفطرة ، وأنّ أبواه - أي المحيط - هما السبب في انحرافه عنها لا التقصير ، ومعه فلا دليل على حصر الانحراف عن الفطريّات بالتقصير ، لا عقلًا ولا شرعاً ولا عادةً .
ثالثاً : إذا كان العذر وعدم العذر في بحثين متساويين في الكيف والكمّ هو مصادفة الحقّ ، فيلزم تعليق الثواب والعقاب على ما لا بالاختيار وهو باطل .
ولكي أوضح هذه الفكرة ، نأخذ شخصين غير مؤمنين بدينٍ ثم نطلب منهما استخدام
هامش
( 1 ) انظر : الصدوق ، كتاب من لا يحضره الفقيه 2 : 49 ؛ وصحيح البخاري 2 : 97 - 98 ؛ وصحيح مسلم 8 : 52 .