الملاحظة الثالثة : بصرف النظر عما تقدّم ، وإذا التزمنا بأنّ العقل العملي يُلزم الإنسان بالبحث والسعي بمجرّد سماع اسم الحقيقة ، كأن يسمع بوجود ديانةٍ اسمها الإسلام ، مع ذلك ثمّة ما يمنع عن الأخذ بالتفعيل التنجيزي لحكم العقل هذا ، فهذه الملاحظة مردّها إلى وجود المانع في الجملة ، فيما الملاحظتين السابقتين ترجعان إلى عدم وجود المقتضي في الجملة لحكم العقل بلزوم الفحص .
وحاصل الملاحظة هنا أنّه لو ألزم العقلُ بالبحث لكان إلزاماً بغير المقدور ؛ لأنّ احتمالات الحقيقة كثيرة جداً ، والإلزام بالبحث فيها أمرٌ صعب وشاق ، فمثلًا إذا سمعنا بوجود ديانة يهودية فإنّ موضوعيّة البحث وإنصافه لمعرفة صحّة هذه الديانة ستُلزمنا بدراستها من مصادرها ، وقد يحوجنا ذلك إلى تعلّم عدّة لغات ، تماماً كمن سمع بالإسلام فلا يحقّ له الحكم بصواب أو خطأ الإسلام لمجرّد كتاب قرأه بغير اللغة العربية ، فإذا حسبنا هذا البحث المنصف سوف يحتاج إلى أعمار عديدة وقرون كي يصل الإنسان إلى الحقيقة ، هذا فضلًا عن أنّ غالبيّة الناس ليس لها المقدرة على هذا البحث ، وإلا لتوقّفت الحياة وانشلّت وتعطّلت ، فالقول : إنه بمجرّد أن تسمع باسم الديانة الحقّة يصبح البحث عنها لازماً ، ومن ثم يتشكّل علم إجمالي بالحقّ في ضمن محتملات كثيرة فيكون ملزماً عقلًا بالبحث في الجميع . . قولٌ بعيد عن واقع قدرات البشر ، وهو يفترض لزوم البحث في الإسلام فقط ، مع أنّ ذاك الطرف لم يعرف أنّ الإسلام هو الحق أو لا بعدُ حتى يُلزم نفسه بخصوص البحث فيه ، فالمفترض عقلًا سراية الإلزام إلى كلّ ديانة و . . يكون احتمال صوابها كاحتمال صواب الإسلام في ذهن ذاك الباحث عن الحقيقة ، فلا يصحّ تنزيل الآخر منزلة الذات مع الفارق الكبير . وعليه ، فالمفترض القول بحكم العقل بلزوم البحث قدر الإمكان لا مطلقاً .
وإذا كان الأمر كذلك ، يلزمنا العمل على الظاهر ، فمع وجود احتمال عدم التقصير في هذا السنّي أو الشيعي مثلًا ، لا يمكننا اتّهامه وإثباتُ فسقه ، بل نُحسن الظنّ به ، بل لعلّه
الحديث الشريف (حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج) — صفحة 97
مساهمون: حيدر حب الله
ص٩٧