الملاحظة الأولى : إنّ الدليل الذي ساقه علماء أصول الفقه الإسلامي على حجيّة القطع - بما يشمل القطوعات الذاتية - لا يفرَّق في روحه بين أن يكون الموضوع المقطوع به عملياً أو اعتقادياً نظرياً فيه جانب ثواب وعقاب ، فإذا كانت الحجيّة والمعذرية لازماً ذاتياً للقطع فهذا معناه أنها لا تنفكّ عنه ؛ لأنّ هذا هو معنى اللازم الذاتي ، وإلا فلو انفكّت عنه في القضايا العقائدية أو غيرها لم تكن لازماً ذاتياً ، فحجيّة القطع لا تمييز فيها بين العقيدة والفروع العمليّة .
انطلاقاً من ذلك ، لما كان غير الشيعي بالنسبة للشيعي وغير السنّي بالنسبة للسني مثلًا ، قاطعاً - ولو قطعاً خاطئاً - بما يقول به فإنّ قطعه هذا يكون معذوراً فيه على تقدير عدم إصابة الواقع .
ولعلّ هذا هو ما أراده الإمام الخميني في استناده إلى حجيّة القطع لإثبات أنّ أكثر علماء وعوام أهل الكتاب والكفار جهّال قاصرون لا مقصّرون ، فقد قال ما نصّه : « فحكم العقل بالقبح وصدق الإعانة على الإثم فرع كون الإتيان بما ذكر إثماً وعصياناً ، وهو ممنوع ، لا لكون الكفّار غير مكلّفين بالفروع ، أو غير معاقبين عليها ، فإنّ الحقّ أنّهم مكلّفون ومعاقبون عليها ، بل لأنّ أكثرهم إلا ما قلّ وندر جهّال قاصرون لا مقصّرون . أما عوامهم فظاهر ؛ لعدم انقداح خلاف ما هم عليه من المذاهب في أذهانهم ، بل هم قاطعون بصحّة مذهبهم وبطلان سائر المذاهب نظير عوام المسلمين ، فكما أنّ عوامنا عالمون بصحّة مذهبهم وبطلان سائر المذاهب من غير انقداح خلاف في أذهانهم ؛ لأجل التلقين والنشؤ في محيط الإسلام ، كذلك عوامهم من غير فرق بينهما من هذه الجهة ، والقاطع معذور في متابعة قطعه ولا يكون عاصياً وآثماً ، ولا تصحّ عقوبته في متابعته . وأما غير عوامهم فالغالب فيهم أنّه بواسطة التلقينات من أوّل الطفوليّة والنشؤ في محيط الكفر صاروا جازمين ومعتقدين بمذاهبهم الباطلة ، بحيث كلّ ما ورد على خلافها ردّوها بعقولهم المجبولة على خلاف الحقّ من بدو نشؤهم ، فالعالم اليهودي والنصراني
الحديث الشريف (حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج) — صفحة 94
مساهمون: حيدر حب الله
ص٩٤