الثقة إرشاداً إليها ، بدل تطويل المسافة بالعودة ، إلى الروايات ومنها إلى بناء العقلاء ، ولعلّنا لو ذهبنا مباشرةً إلى البناء العقلائي لرفعنا اليد عن مفهوم الوثاقة لصالح مفهوم الوثوق ، الأمر الذي ينتج حجية مطلق الوثوق الاطمئناني أو مطلق الظنّ الوثوقي .
من هنا يظهر لنا أنه يمكن الوصول إلى نظرية الصدر في هذا الفرض بالاستناد إلى السيرة العقلائية مباشرةً ، وهي غير مردوع عنها .
ولعلّه من غير المنسجم أن يرفض الصدر - كما تقدّم عند الحديث عن الوثاقة والوثوق - إلغاء عنوانية الوثاقة لصالح عنوانية الوثوق ، فيما يدافع هنا عن إلغاء عنوانية الوثاقة التعبديّة لصالح عنوانية الظنّ الوثاقتي ، بحجّة الإحالة على الارتكاز العقلائي ، وأنّ الوثاقة إنّما اخذت بملاحظة عنصر الكاشفيّة التي فيها ، فلماذا لم يكن التعدّي الثاني مقبولًا ؟ !
الكلمة الثالثة : إنّ هناك نماذج عديدة لهذا الفرض غير ما ذكره السيد الصدر من خبر رفاعة في استرقاق الأطفال ، ولا بأس بذكر بعضها ؛ نظراً لأهميّة الموضوع ، مع عدم دعوانا فقدان الظنّ في تمام الموارد :
المثال الأوّل : أن يروي العربي رواياتٍ في فضل العرب وذمّ الفرس ، أو يروي الفارسي رواياتٍ في فضل الفرس وذمّ العرب ، فإنّ داعي الكذب هنا مرتفع تلقائيّاً خاصّةً في مثل هذه القضايا القوميّة والشعوبيّة الحسّاسة ، والتي عرفها العصر العباسي بدرجة عالية ، ولهذا نماذج عديدة في الأحاديث الشيعيّة والسنّية .
المثال الثاني : أن يروي سكان المدن الدينية وغيرها ، مثل مكّة والمدينة والقدس والشام وكربلاء والكوفة ومشهد وقم و . . نصوصاً في فضلها وفضل زيارتها ، فإنّ في ذلك منافع كثيرة تعود عليهم اقتصادياً وعلى مستوى الجاه والمفاخرة ، وأمثلته عديدة منها ما جاء في روايةٍ في فضل زيارة عبد العظيم الحسني ، حيث ورد في السند : ( عن بعض أهل الريّ )
الحديث الشريف (حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج) — صفحة 72
مساهمون: حيدر حب الله
ص٧٢