تبلورٌ لعنوان الوثاقة في حالةٍ فيما يحصل في حالةٍ أخرى ، وهذا ما يفتح المجال على انشطارات في مقولة الوثاقة ، لا تخلو من أهميّة .
وفي سياق التعليق على ما ذكره الصدر يمكن إضافة أنموذج ثالث مهم ، حبّذا لو جعله الصدر مكان المثال الأوّل الذي قدّمه ؛ لكثرة الابتلاء به في التراث الإسلاميّ ، وهو أنّ عدداً من المتشرّعة والفقهاء يرون شرعيّة بهتان أهل البدع في الجملة ، لما في ذلك من مصالح عليا راجعة إلى الدين ؛ مستندين في ذلك إلى بعض النصوص الروائيّة ، وفي هذه الحال يصعب اعتبارهم ثقاتاً - أحياناً - عندما ينقلون عن مخالفيهم في الرأي ، ممّن يعتقدون أنهم من أهل البدع ، فقد ينسبون إليهم أفكاراً أو عقائد لا يقولون بها وهم يعرفون أنهم لا يقولون بها ، لكنّهم يفعلون ذلك من باب البهتان الجائز بنظرهم هنا ، فلا يُحرز صدقهم هنا في إخباراتهم ؛ لاحتمال انطلاق كذبهم على غيرهم من باب البهتان الجائز شرعاً عندهم ، وهذا ما يدفع أحياناً إلى عدم الأخذ بأقوال هؤلاء - رغم جلالتهم - في حقّ غيرهم عند احتمال ذلك منهم ، دون أن يخدش ذلك في علمهم وعدالتهم وتقواهم ، وهذا مثال بالغ الأهميّة .
إذن ، فالمنشأ الأوّل الذي ذكره السيّد الصدر مهمّ للغاية وصحيح منهجيّاً وهو يفيد عدم حجيّة خبر هذا الثقة في هذه الحالة ؛ لعدم إحراز موضوع الحجيّة فيها ، وهو الوثاقة .
ولا تختصّ هذه النتيجة بمدرسة الوثاقة ، بل تجري بطريقٍ أوضح على مبنى الوثوق بتمام معانيه الأربعة ؛ لأنّ درجة الوثوق وقوّة احتمال الصدق تضعف في مثل هذا المنشأ مما يُفقد الخبر حجيّتَه ولو في الجملة .
كما يمكننا تعميم هذا المنشأ لباب الصواب والخطأ في النقل ، بدل حصره في باب الصدق والكذب ، ففي بعض الحالات يضيق منشأ الصواب نفسه ، كما لو لم يكن الراوي عالماً بالعربيّة إلا نادراً ، فإنّ نقله للنصوص العربيّة على نحو النقل بالمعنى يضيق فيه الصواب نفسه ، وكذلك إذا لم يكن الراوي فقيهاً وكانت الرواية حواراً فقهيّاً طويلًا بين
الحديث الشريف (حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج) — صفحة 68
مساهمون: حيدر حب الله
ص٦٨