تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحديث الشريف (حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج) — صفحة 67

مساهمون:

ص٦٧
فيه إذا كان خالياً من المفسدة ، وعليه فلن يتحرّج من الكذب في هذه الحال ، فإذا أخبرنا بخبر يجرّ مصلحةً عليه ، وعلمنا بأنّ هذه قناعته في قيمة الصدق والكذب ، فسوف يعني ذلك حصول تردّد في صدقه . الأنموذج الثاني : أن تكون وثاقته ، أي صدقه وكذبه ، قائمةً على الدِّين ، لكنّه كان يعتقد أنّ الكذب لخدمة الدين وتقوية مكانة رسول الله وأهل البيت أمرٌ حسنٌ ممدوح يرغّب به الله تعالى ، فهنا من المحتمل أن يختلق آلاف الفضائل والمصائب كي يقوّي من رموز الدين ، كما يرى ذلك بعض قرّاء العزاء الحسيني ، ففي هذه الحال إذا روى شيئاً متصلًا بهذه الأمور ، فنحن نحتمل كذبه رغم تديّنه ووثاقته ، وأبرز مثال على ذلك ما قاله بعضهم من أنّ الحرام في الكذب على رسول الله هو الكذب عليه لا له ، وهذا من الكذب له . وقد حكم السيد الصدر في هذا المنشأ بسقوط حجيّة خبر الثقة ؛ لعدم إحراز الوثاقة هنا في هذه الموارد ، حتى لو اعتبرناها بما هي حالة نفسيّة ، فهذا الشخص لا نُحرز وثاقته في هذا الأمر ؛ لاحتمال كذبه حينئذ احتمالًا معتدّاً به « 1 » . وهذا الكلام تامّ لا غبار عليه ، ولنا معزّزٌ منطقي هنا أيضاً يُضاف إلى كلام الصدر ، وهو أنّ الكذب ليس ظاهرةً نفسيّة بحتة ، وإنما تتبع القناعات المعرفيّة للإنسان ، فمن اعتقد أنّ في الكذب الفلاني إصلاحاً بين الناس كان معذوراً بينه وبين ربّه وضميره ووجدانه لا يخلّ ذلك بعدالته ، فلا ملازمة هنا بين العدالة والوثاقة ، فقد يكون في قمّة العدالة والإيمان والتديّن ، لكنّه لا يوثق به في هذا المجال أو ذاك ، لا لسقوط عدالته أو اختلال دينه ، بل لاحتمال وجود مبرّر منطقي معرفي في البَين انطلق هو منه . بل يمكن التعدّي عن ذلك بافتراض إمكانيّة التفكيك في الوثاقة بين موضوعٍ أو محور وآخر ، بقطع النظر عن المبرّر المعرفي ، بل لمحض التعدّد النفسي هنا ، فقد تجد شخصاً ثقةً لا يُحتمل كذبه عن النبي ، إلا أنّه قد يكذب في نقله عن زيد من الناس ، فهنا لا يحصل
هامش
( 1 ) المصدر نفسه ق 2 ، ج 2 : 570 - 571 .