ولابدّ لنا - بدايةً - من تحديد الموضوع وجوانبه ، ثم نطرح بعد ذلك نظريّة السيد الصدر ؛ لدراستها والوقوف عندها ، لأهميّتها وقيامها على أساس قانون حساب الاحتمالات .
السؤال الرئيس الذي يطرحه هذا البحث القائم على نظريّة حجيّة خبر الثقة هو : متى تؤدّي وثاقة الراوي إلى موثوقيّة الرواية ؟ وفي أيّ من الحالات تتحقّق حجيّة الخبر ؟
وفي الفرضيّة المسبقة لهذا السؤال أنّ محض الوثاقة التي لا تعطي قدراً معتداً به من الظنّ والوثوق لا ينفع ، فلو جاءني ثقةٌ بخبر لكنّه لم يحصل عندي من هذا الخبر سوى احتمال خمسة في المائة أن يكون صادقاً ، فهنا لا يكون الخبر حجّةً ، وإنما يغدو كذلك عندما يُفيدني هذا الخبر قدراً من الظنّ نسمّيه : الموثوقيّة الناشئة من خبر الثقة ، فنحن نريد أن ندرس طبيعة إفادة الوثاقة لهذه الموثوقيّة .
والمستند في هذه الفرضيّة المسبقة عند الصدر - ويبدو أنّها نظريّة المشهور أيضاً من خلال مبانيهم في مقولات الوهن والجبر السندي - هو البناء العقلائي على أخذ الموثوقيّة في حجيّة خبر الثقة ؛ لأنّ العقلاء يرون خبر الثقة حجّةً من باب كاشفيّته النوعيّة ، فلو فُقدت - كما لو زوحم بأمارة أخرى - لم يعد الخبر حجةً عندهم « 1 » . وسوف يأتي تفصيل البحث في هذه النظريّة عند الحديث عن نظريّة الوهن السندي ، حيث سنتكلم عن نظريّة الصدر في خبر الثقة المزاحَم بأمارةٍ عكسيّة .
وعندنا هنا افتراضٌ محتمل ، ذكر الصدر أنّه يجب أن نستبعده مسبقاً ، وهو أن تكون وثاقة الراوي بحدٍّ كبير تتلاشى أمامه كلّ دواعي الكذب على الإطلاق ، أي أنّه ثقة إلى حدّ لا يضعف أمام كلّ مغريات الكذب التي تشجّعه على اقترافه ، وفي مثل هذه الحال يحصل لنا قطعٌ بالصدق ، فيكون المورد خارجاً عن محلّ بحثنا ؛ لأنّنا نبحث في الخبر الظنّي لا في الخبر اليقيني « 2 » .
هامش
( 1 ) انظر : بحوث في علم الأصول 4 : 426 .
( 2 ) مباحث الأصول ق 2 ، ج 2 : 569 - 570 .