العقلائية في هذا المجال ، فلا يمثل سكوته ردعاً عن بناء السيرة حينئذ ، لا سيما مع قلّة الأخبار الدالة على هذا الردع لو تمّ ، فالمفترض تحديد موقف السيرة العقلائية مباشرةً ، وإذا ثبت أنها تكتفي بالوثاقة كانت بنفسها دليلًا بلا حاجة إلى رواية العمري ، خاصّة وأنّ الصدر ممّن يرى إرشاديّة الأدلّة اللفظية إلى ما تقتضيه المرتكزات العقلائية هنا « 1 » ، وإلا لم يصحّ جعل الوثاقة المعيارَ الوحيد بهذه الطريقة .
التقريب الثاني : وهو تقريب يعتمده السيد الصدر من باب السيرة المتشرّعية ، وذلك أنّ الروايات التي يرويها الثقات دون أن تكون معتضدةً بالقرائن الحافّة كانت موجودةً قطعاً ضمن الروايات التي كان أصحاب الأئمّة والقدماء يتداولونها ، وكانت الحاجة إليها قائمة ، من هنا فلا يخلو حال أصحاب أئمّة أهل البيت من أحد فروض محتملة :
1 - إنّهم كانوا يعملون بهذه الأخبار مكتفين بالوثاقة ، ولا يجدون حاجةً إلى السؤال عنها . وهذه الفرضية تثبت المطلوب كما هو واضح ؛ لأنّ معناها عمل المتشرّعة بخبر الثقة مكتفين بوثاقته .
2 - إنّهم سألوا الإمام عن أمرها ، وهل يجوز العمل بها مع عدم احتفافها بقرائن أخرى أو لا ؟ واجيبوا بجواز العمل بها فعملوا بها كذلك ، وهذا الاحتمال يفيد المطلوب كحال سابقه كما هو واضح .
3 - إنّهم تحيّروا في أمرها فسألوا أهل البيت فأجابوهم بعدم جواز العمل بها إلا مع احتفافها بقرائن خارجيّة ، وهذه الفرضيّة تقع على عكس المطلوب ؛ لأنّها تفترض أنّ أهل البيت طالبوا المتشرّعة بالبحث عن القرائن وعدم الاكتفاء بوثاقة الراوي .
4 - إنّهم لم يتحيّرو ، ا بل تركوا العمل بهذه الروايات الفاقدة للقرائن دون أن يسألوا عن ذلك ؛ لوضوح الأمر عندهم ، وهذا الاحتمال حالُه حال الاحتمال الثالث في النتيجة .
هامش
( 1 ) انظر : بحوث في علم الأصول 4 : 426 .