ولكي يتمّ الاستدلال بدليل السيرة المتشرّعية على كفاية عنصر الوثاقة يجب استبعاد الاحتمالين الأخيرين ، وهذا هو الصحيح ، لعدّة شواهد :
الشاهد الأوّل : إنّ الارتكاز العقلائي إذا لم يقم على كفاية الوثاقة ، فلا أقلّ من وجود ميل إليها ، مما يفرض تحيّرهم واحتمالهم حجيّة الخبر دون حاجة إلى قرائن خارجيّة ، ففرضيّة عدم التحيّر بعيدة .
الشاهد الثاني : إنّ افتراض أنّهم سألوا واجيبوا بعدم كفاية الوثاقة لوحدها افتراضٌ غير منطقي ؛ إذ أين هي الروايات التي سألوا فيها وأجيبوا بالنفي ؟ وكيف لم يصلنا شيء منها رغم توافر الدواعي إلى نقلها ؟ بل على العكس من ذلك وصلتنا الشواهد على كفاية الوثاقة .
الشاهد الثالث : ثمّة شواهد تفيد مركوزيّة الوثاقة في الذهن المتشرّعي حتى زمن الشيخ الطوسي ، وهي :
أ - قوله : أفيونس بن عبد الرحمن ثقة آخذ عنه معالم ديني ؟ حيث تدلّ على مركوزيّة الوثاقة .
ب - ما ذكره الشيخ الطوسي في العدّة ، من أنّ الطائفة عندما يروي شخص روايةً يسألونه من أين أتى بها ؟ فإذا أحالهم على كتاب معروف وأصل مشهور وكان راويه ثقةً لا ينكرون حديثه سلّموا الأمر في ذلك . .
ج - قول النجاشي في قصّة استثناء محمد بن عيسى بن عبيد حيث ينقل عن أبي العباس بن نوح - وهو من وجوه الرجاليّين - إنّه لا يعلم لماذا حصل التوقّف في هذا الرجل - محمد بن عيسى بن عبيد - مع أنّه كان على ظاهر العدالة والوثاقة . وهذا يكشف عن معياريّة الوثاقة لوحدها .
د - ما نقله الصدوق في الفقيه عن ابن الوليد ، من ردّ روايات محمد بن موسى الهمداني ؛ لعدم كونه ثقة ، فهذا يُفهم منه أنّ الوثاقة هي المعيار .
الحديث الشريف (حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج) — صفحة 59
مساهمون: حيدر حب الله
ص٥٩