يكفي فيه في بعض الأحيان أن يُفقدنا الوثوق بصدور الحديث ، ففي الحقيقة نقد المتن هو نقدٌ للراوي في كثير من الأحيان ، وليس نقداً للنصّ المعصوم بعد صدوره ولا هو نقد للواقع بعد ثبوته .
ويتحكّم في العقل الاستبعادي بقوّة هنا الرؤية المسبقة التي يكوّنها الناقد في الحديث عن فرضيّات الأمور بمسارها الطبيعي ، فمثلًا لو أنّ شخصاً يعتقد بأنّ حياة المعصوم مليئة بوقائع إعجازيّة ، كما لو قامت عنده آلاف الروايات على ذلك ، ففي هذه الحال لو جاءته رواية تتحدّث عن أمر إعجازي قد حصل ، فلن ينشط عنده العقل الاستبعادي ؛ لأنّ الفضاء الاحتمالي لوقائع الأشياء بات منسجماً مع وقائعيّة المعجزات ، بخلاف ما لو كان الحديث الذي يتكلّم عن معجزة معينة أو كرامة قد جاء في سياق غير مألوف في المسار الطبيعي لحياة النبي مثلًا ، فإنّ العقل الاستبعادي لا يتفاعل كثيراً مع تصديق الراوي ، بل يتريّث .
ولكنّ خطورة العقل الاستبعادي القائم على طبيعيّة مسار الوقائع ومنطق العادة ، تكمن في أنه قد يلتبس أمر العقل الذوقي الفردي بالعقل السليم الموضوعيّ الجمعي ، فيسرع الإنسان إلى النقد المتني للحديث لعدم مجيئه على ذوقه ومزاجه ، إن في مضمونه الخبري أو في مضمونه التوجيهي ؛ لهذا احتاج الأمر إلى صفاء ذهني وصناعةٍ للذوق السليم ، وسعي للموضوعية والابتعاد عن التسرّع والابتسار والانحياز قدر الإمكان .
هذا كلّه على مستوى مخالفة العقل ، والأمر كذلك مع مخالفة الحديث للمشاهدة والتجربة وحقائق العلم والحياة « 1 » ، وهذا عنوان يتصل بعض الشيء بمخالفة العقل بالمعنى الذي طرحناه ، فمقتضى التجربة وسنّة الحياة أن يحصل الإنسان على الدفء من خلال الحرارة ، فالحصول عليه من خلال الثلج يحتاج إلى عناية استثنائية . ومقتضى طبيعة
هامش
( 1 ) تدريب الراوي 1 : 233 ؛ ومقباس الهداية 1 : 404 .