تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحديث الشريف (حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج) — صفحة 480

مساهمون:

ص٤٨٠
الأشياء ، ما لم تأتِ الشواهد الداعمة على وجود إعجاز استثنائي في الأمر . كذلك الحال على مستوى العقل العملي ، فإذا جاءت رواية تجيز للأب معاقبة الابن بقضم لحمه بالمقاريض أو قطع إصبعه وهو لم يبلغ الحلم ، فإنّ العقل هنا لا يقبل منطق هذا التشريع ؛ لأنّه يستوحي فيه ظلماً وجوراً ، والله أجلّ من أن يظلم ، وإن لم يكن يمكن للعقل أن يجزم بكونه ظلماً في كثير من الأحيان جزماً برهانيّاً . وعلى هذا فقس ، مثل ما جاء في بعض الأحاديث الشيعيّة من أنّ بني إسرائيل كانوا يطهّرون لحومهم بالمقاريض عند إصابة البول ، وأنّ الله وسّع على أمّة محمد « 1 » . ونتيجة المستوى الثاني لا تصل إلى إبطال مفاد الحديث وردّه ، كما كانت الحال في المستوى الأوّل ، بل بطء الوثوق به نتيجة أنّ الإخبار بشيء يقع على خلاف العادة أمرٌ يتريّث العقل في تصديقه ما لم يعتضد بالمزيد من المؤيّدات ، فنحن هنا في عمليّة النقد المتني من المستوى الثاني لا نُبطل مفاد الحديث حتى نذهب إلى وضعه أو طرحه أو تأويله أو إيكال علمه إلى أهله ، بل نحن هنا في سياق إثبات الحديث ، لكن نوعيّة مضمون الحديث حيث كانت على خلاف السياق الطبيعي لمنطق الأشياء المعتادة يصبح تصديق الراوي في مفاد الحديث أقلّ سرعةً ، ومن ثم فنقد المتن هنا يلزمنا بالحصول على مؤيّدات وشواهد أكثر ، وإلا لم يصل الحديث إلى مستوى الوثوق ، وربما أحياناً إلى مستوى الظنّ . وبهذا نعرف أنّ نقد المتن بمعيار العقل ليس معناه رفض نصّ الحديث بعد ثبوته ، وإنّما حصول الاستحالة في تصديق الراوي - لا النبي - نتيجة مخالفة المضمون للعقل البرهاني أو بطء حصول تصديق الراوي فيما ينقله نتيجة مخالفة المضون للمسار الطبيعي للأشياء ، ما يُضعف احتمال صدق الراوي في هذا النقل أو فقل : يقلّل من تراكم القوّة الاحتماليّة في التصديق . ويجب أن نعرف جيّداً أنّ نقد المتن لا يتوقّف على إثبات بطلان مضمون الحديث ، بل
هامش
( 1 ) انظر : تفصيل وسائل الشيعة 1 : 134 .