يقيني يعتبره صاحبه مما لا لُبس فيه ، يناقض مفاد الحديث ، ففي هذه الحال وإن كان يمكن وقوع الخطأ في العقل الاستدلالي اليقيني والبرهاني ، لكنّ ذلك يعدّ غير معقول في ظرف اعتقاد صاحبه بصحّة البرهان ، فلا يعقل أن يصدّق بصدور مخالف الواقع عن المعصوم ، ولهذا فهو يسقط الخبر عن الحجيّة .
وليس هذا من معارضة الدين بالعقل ورمي النصوص الدينيّة نتيجة العقل ؛ لأنّ المفروض هنا - وهذه من خصوصيات البحث الحديثي - أنّ النصّ الحديثي ليس ثابتاً بعدُ وإنّما يُفترض ثبوته بعد تخطّيه عقبات السند والمتن ، فإذا كان مناقضاً للبرهان العقلي ، فإنّه لن يكون ممكن التصديق بالنسبة لصاحب البرهان ، بناء على مصادرة عدم صدور خلاف الواقع عن المعصوم ، فلم يثبت بعدُ أنّه من الدين حتى يكون طرحه موجباً للعمل بالعقل وتخطئة صاحب الشرع ، مما فيه مشكلة .
المستوى الثاني : المخالفة القطعيّة للعقل الظنّي أو الترجيحي أو الاستبعادي ، ومعنى هذا الكلام هو أنّه متى يقوم الواضع بوضع حديث يعارض بكلّ بساطة بديهيّات العقل أو قطعيّاته بالمعنى المتقدّم ؟ !
من هنا ، يحاول الناقد الحصيف أن يذهب إلى أنّ العقل هنا هو المنطق الطبيعي للأشياء ، لا العقل النظري البديهي أو العملي الأولي فحسب . فهذه الرواية التي قرأناها قبل قليل - سواء بشكلها الوارد في المصادر السنية أم بطريقة بيانها الشيعي - لا تخالف العقل بهذا المعنى الذي في المستوى الأوّل ، لكن مع ذلك يقال بأنها تخالف العقل .
من هنا ، يبدو أنّ المراد بالعقل في المستوى الثاني كلّ عقل سليم يفهم منطق الأشياء ويحمل ذوقاً سليماً معتدلًا ، مثلًا يمكن أن يكون النبي سليمان له ألف زوجة أو ألفين يجامعهنّ كل ليلة ، فالعقل بالمعنى الأوّل لا يمانع ذلك ، لكنّ العقل السليم الذي يملك ذوقاً لطبيعة الأشياء يرى ذلك غير صحيح ، بمعنى أنّه مستبعد بمنطق العادة وطبيعة
الحديث الشريف (حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج) — صفحة 479
مساهمون: حيدر حب الله
ص٤٧٩