الذي يضعنا في بعض الأحيان أمام احتمالات عدّة في التعامل مع الحديث .
هذه الصورة التي رسمها الاجتهاد الإمامي لتعامله مع الحديث من شأنها أن تعيق في بعض الأحيان عند الإماميّة بالخصوص ادّعاء وضع الحديث ؛ لأنّ معناها أنّ مخالفة الحديث للعقل أو لحقائق التاريخ مثلًا لا يعني بالضرورة أنّه موضوعٌ على لسان الأئمّة من أهل البيت أو مكذوب عليهم ؛ لأنّه من المحتمل أن يكون صادراً واقعاً منهم لكن بنحو التقية ، فلا يطابق الواقع وفي الوقت عينه لا يكون موضوعاً ومختلقاً .
ولعلّ مسألة التقية هي التي خفّفت أيضاً من حديث الشيعة عن وجود أحاديث موضوعة في كتبهم ، كما سنشير بعد قليل ، وهذا ما يستدعي المزيد من الضوابط لتمييز الموضوع عن الصادر تقيةً ، فلا يبالغ بادّعاء التقية في كل شيء ، ولا ادّعاء الوضع كذلك .
ويترك هذا الأمر تأثيره على موضوعٍ آخر يرتبط بعلم الجرح والتعديل ، وذلك أنّ تبرئة الراوي للحديث من تهمة الكذب عبر إقحام احتمال التقيّة ، معناه أنّه لم يعد يمكن دائماً اكتشاف وضع الرواة من خلال مراجعة رواياتهم ومقارنتها بروايات الثقات الأثبات أو من خلال تحليل مضمونها ووزانته وصدقيّته في نفسه ، فكتب الرجال عند أهل السنّة تحكم على الراوي بالكذب مثلًا نتيجة تتبّع مروياته ومقارنتها بروايات الثقات وبنصوص الكتاب والسنّة المعلومة ونحو ذلك ، كما نجد ذلك في الكتب المطوّلة في علم الرجال ككتب الرازي والمزي والحافظ ابن حجر والذهبي وغيرهم ، وهذا الأمر سيصبح أقلّ نسبيّاً إذا أخذنا مثل مفهوم التقيّة .
كما أنّ حالات الاختلاف بين الأحاديث والتي قد تمنحنا مؤشرات معيّنة عن حال الرواة أو حال الأحاديث المتعارضة ، سوف يمكن تفسيرها حينئذٍ بأنّها من النصوص المختلفة التي صدرت حقّاً عن أهل البيت ، إما نتيجة الخوف من الآخرين أو إرادةً من أهل البيت لإيقاع الفُرقة بين الشيعة كي لا يطمع بهم الآخرون كما كان يذهب إلى هذه
الحديث الشريف (حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج) — صفحة 471
مساهمون: حيدر حب الله
ص٤٧١