تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحديث الشريف (حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج) — صفحة 468

مساهمون:

ص٤٦٨
سآخذ أنموذجاً آخر ، وهو نظريّة العلامة محمد حسين فضل الله في صفات الأنبياء والأئمّة وكمالاتهم ، هذه القضيّة التي تمثل واحدة من أهم المعالم العقدية في الفكر الكلامي الإسلامي عامّة والإمامي خاصّة ، لقد رفض العلامة فضل الله النظريات التي تقول بأنّ الأنبياء والأئمّة من أهل البيت يعلمون الغيب وأنّهم واسطة في الفيض الإلهي وأنّ لهم الولاية التكوينية على العالم بحيث يديرون شؤون الكون كلّه ، وأنّ الإمامة جزء من نظام العالم الوجودي وليس فقط جزءاً من بنية الحياة الإنسانيّة في إطارها التنظيمي والديني ، وأنّ الإمامة باطن النبوّة ، وأنّهم تعبير آخر عن صورة الإنسان الكامل في عرفان محيي الدين ابن عربي ، ذلك الإنسان الذي يحظى بالوجود في تمام النشآت . . لقد رفض فضل الله بشدّة فكرة البُعد الناسوتي واللاهوتي في شخصيّات الأنبياء والأئمّة ، معتبراً ذلك شكلًا من أشكال الغلوّ الذي وقعت فيه الشيعة والصوفيّة على السواء . ولا يهمّنا هنا تحليل نظرية فضل الله ، وهل هي صحيحة أو لا ؟ بقدر ما يعنينا رصد مقارباته للموضوع من زاوية الصناعة الحديثية في مجال النقد المتني ، فلم يأت فضل الله على الروايات والأحاديث المرويّة في هذا الموضوع ليناقشها من الزاوية السنديّة ، وإنّما اتخذ موقفه النقدي منها على أساس معارضتها للقرآن ، لكن لا لأنّ القرآن الكريم فيه آية تنفي بصراحة - ووفق نظرية التباين الكلي - فكرة الإنسان الكامل أو الواسطة في الفيض ، بل لأنّ الصورة العامّة التي يرسمها لنا القرآن الكريم في عشرات من الآيات عن الأنبياء والأولياء هي صورة الإنسان البشري الذي يعيش حياةً بشرية ولا يعلم أسرار كلّ شيء ، وأنّه قد يشرف على الوقوع في المعصية ، فالقرآن لم يقدّم الأنبياء عللًا تكوينيّة للوجود بقدر ما قدّمهم رجالًا من البشر دفعتهم كمالاتهم الإنسانية والخلقية والروحية للانبعاث لهداية البشر كلّهم ، إنّ هذه الصورة العامّة للأنبياء في القرآن شكّلت أهم مستمسك لفضل الله - لا سيما تركيز القرآن على عناصر الضعف هنا وهناك في الأنبياء كي لا يُتخذوا آلهة - في نقد مجمل الصورة اللاهوتية عن الأنبياء والأئمّة في العقل الشيعي الكلامي ،