مقتضى القاعدة هنا - وهي أصالة التطابق المشار إليها - أن يحمل كلامه على المراد الجدّي إلا إذا حصل ظنّ بعدم الإرادة الجدية أو شكّ حقيقي قائم على معطيات ، ففي هذه الحال لا نجزم أنّ العقلاء يحملون الخبر على الجدّ مع حالة الظن بعدم إرادة الجدّ ، ولو لم يحصل يقين أو اطمئنان ؛ فلو صدر نصّ من أحد الأئمة في محضر السلطان ، ثم عارضه عشرون نصاً ضعيف السند بحيث حصل لنا شك حقيقي وغلبة ظنّ في أنه كان يقول هذا الكلام تقيةً أمام السلطان ، ففي هذه الحال لا نجزم أنّ العقلاء ، وهم المرجع في باب الدلالات ، يحملون الخبر على الجدّ ؛ لوجود مزاحم لأصالة التطابق يعيقها عن قدرة الكشف عن مراد المتكلّم ؛ وباب الظهورات ليس تعبّدياً « 1 » ، كما هو الحقّ الذي عليه مشهور الأصوليّين .
4 - 3 - التأثير في درجة القناعة بدقّة الناقل
الحالة الثالثة : أن يفضي نقد المتن إلى حصول تردّد ليس في صدور هذا الحديث ، ولا في أنّ المعصوم كان يريده جدّاً حينما قاله ، وإنما يؤدّي بنا نقد المتن إلى التريّث في دقّة الناقل في نقل فقرات الحديث ومقاطعه ، أو تحديد رجال السند ، أو في دقّة فهمه لكلمات المعصوم ، بحيث لما نقله لنا كان دقيقاً في النقل بناءً على مسألة جواز النقل بالمعنى .
فالرواة على نوعين من زاويتين - الأولى منهما يمكن إدراجها في الثانية - :
الزاوية الأولى : وهي زاوية ملاحظة الراوي عالماً وغير عالم ، ووفقاً لهذه الزاوية في النظر للأمور ، ينقسم الرواة إلى صنفين :
1 - الرواة العلماء ، كابن مسعود وزرارة ومحمد بن مسلم و . . وهؤلاء يحصل ارتفاع
هامش
( 1 ) بمعنى أنّ العمل بالدلالة اللفظية الظاهرية ليس مسألة دينية تعبّدية شرعية لا نعرف سرّ الإلزام بها ، وإنّما هي مسألة عقلائيّة يعمل عليها العقلاء في محاوراتهم ويهدفون منها الكشف عن مراد المتكلّم ، فتؤخذ لأجل كشفها لا للتعبّد المطلق .