بذلك ما دام ممكناً ، ولا يصحّ أن نعمل عقولنا في مواجهة الكتاب والسنّة ، مع أنّه لا يراد مواجهة السنّة ، وإنما الكلام ما يزال بعدُ فيما يدّعي أنّه يُحكي عن السنّة ، فنحن في أوّل الطريق لا أنه قد ثبتت السنّة ثم نحن اليوم نقف في وجه ما قاله الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والعياذ بالله . فهذه نقطة جديرة بالانتباه ، وقد تورّط في هذا الأمر بشكل أكبر بعض أهل السنّة في تعاملهم مع الصحيحين ، وكذلك عدد من إخباريّي الشيعة .
من هنا ، نجد غياباً نسبياً لعرض النصوص على القرآن ، حتى أنّ من أهل السنّة من قال بضعف روايات العرض على الكتاب وأنها من صنع أعداء السنّة الشريفة ، كما تحدّثنا عن ذلك في كتابنا حجيّة الحديث .
وليس المستشرقون وحدهم من تنبّه لهذه المشكلة ، بل سبقهم إلى ذلك العديد من العلماء ، ككثير من المعتزلة ، فالشيخ المفيد ( 413 ه - ) والسيد المرتضى ( 436 ه - ) يعيبان على المحدّثين عدم التأمّل في مضامين الأحاديث والانجرار وراء مجرّد روايتها ، وكثير من علماء المسلمين في القرن العشرين بات يوافق على أصل وجود هذه الملاحظة ، مثل العلامة الطباطبائي ، والشيخ محمد عبده ، والسيد محمد باقر الصدر ، والعلامة فضل الله ، والشيخ محمد جواد مغنية ، والسيد روح الله الخميني ( الذي ألمح إلى ذلك في موقفه المشهور من كتاب مستدرك الوسائل ) والعلامة الشعراني وغيرهم كثير . ومن قبلهم ابن خلدون وغيره ، وقد أفضنا في كتاب ( نظريّة السنّة ) في عرض المشهد النقدي للحديث عند المتأخّرين ، فراجع « 1 » .
2 - لقد وقع بعض المستشرقين في تناقض ، فعندما ندّعي بأنّ المتن غائب ، لا يصحّ أن نقول - كما قال جوزيف شاخت وجوينبيل في موضع آخر - بأنّ المسلمين أخفوا نقدهم لمادّة الحديث خلف نقدهم للأسانيد « 2 » ، تلك الفكرة التي يقولها هذان المستشرقان ،
هامش
( 1 ) انظر : حيدر حبّ الله ، نظريّة السنّة في الفكر الإمامي الشيعي : 507 - 675 .
( 2 ) دائرة المعارف الإسلامية 2 : 279 ( مادة : أصول ) ، و 7 : 336 ( مادة : الحديث ) .