والجواب : إنّ الاطمئنان إذا كان حجّةً عقلائيّة وسكت الشارع عنه ، فهذا معناه أنّه حجّة في الشريعة والدين ، وبعد ذلك أيّ معنى للقول بأنّ قضايا الشريعة لا يبني فيها العقلاء بهذا المستوى ؟ فهل يبني العقلاء على اليقين الأرسطي البرهاني في قضاياهم الخطيرة ؟ ! فإذا بلغت القوّة الاحتماليّة مبلغاً قليلًا جداً فهذا كافٍ ما دام أنّه مصداق لعنوان الاطمئنان العقلائي .
نعم لو غيّر الشيخ السبحاني من عمليّة الإشكال هنا لكان إشكاله أقوى وأفضل ، ولعلّ هذا ما قصده من تعبيره بالدرجة الضعيفة من الاطمئنان ، وذلك عبر دعوى أنّ هذه النسب لا تشكّل اطمئناناً عقلائيّاً أساساً في غير صورة تعدّد الواسطة المبهمة ؛ لأنّنا لا نرى أنّ نسبة الواحد إلى المائة مثلًا هي اطمئنان عقلائي يُحرز أنّ العقلاء يعملون به في القضايا الخطيرة ، وإنّما وجدناهم يعملون به في القضايا العادية غير المهمّة لا لأجل كونه اطمئناناً ، بل لعدم أهميّة الاحتياط والتثبّت فيها ، فمن باب التسامح يعملون بها ، لا من باب الاطمئنان .
وهذا إشكال لا بأس به ويستحقّ النظر ، نعم الاطمئنان هو أن تكون الاحتمالات قليلة جداً كالواحد من الألف ونحوه .
والغريب أنّ الشيخ السبحاني يكلّف نفسه الردّ على ما ردّ عليه السيد الصدر ، من فرضيّة أنّ إبهام الواسطة يرجع لعدم الاعتناء ، فأجابه - وكأنّ الصدر يقبل بهذا الإشكال - بأنّ إبهام الواسطة عند ابن أبي عمير مرجعه إلى تلف كتبه ، لا إلى عدم الاعتناء ، فتصوير الشيخ السبحاني لمقاربة الصدر كان ناقصاً جداً ، وكأنّه لم يقرأ البحث حتى النهاية أيضاً والله العالم ! علماً أنّ مقاربته الشخصيّة للموضوع أخذ فيها عنصر الروايات دون الرواة وادّعى هناك تحصيل الاطمئنان « 1 » ، وهو مطابق لكلام الصدر حتى في الواسطة الواحدة . ولعلّ الطبعة القديمة الأولى لكتاب مشايخ الثقات كانت ناقصة قياساً باللاحقة الثانية
هامش
( 1 ) ( ) المصدر نفسه : 270 .