لقاعدة التسامح في أدلّة السنن ؟ ولماذا لا يروي عنه منضمّاً لروايته عن غيره بحيث يكون الطريق متعدّداً ، فيذكر طريقه الذي يمرّ بمن لم تثبت وثاقته عنده من باب التأييد ؟ إلى غير ذلك من الصور والحالات التي يتعقّل فيها رواية العدل والثقة عن غيره دون أن يكون ثقةً عنده بالضرورة بوصف الوثاقة والعدالة صفة لاحقةً لشخصيّة الراوي .
وفرض التلبيس والتدليس لا يصبح له معنى إن لم يكن هناك تعهّد من الرواي أو عُرف عام بين الرواة والمحدّثين بعدم النقل إلا عن ثقة في المرسلات ، وأين لنا بإثبات عرف من هذا القبيل ، بل مثل نصّ الطوسي في العدّة ، والذي يميّز ابنَ أبي عمير وأمثاله عن غيرهم في أنّهم لا يروون ولا يرسلون إلا عن ثقة يؤيّد ويساعد على فرض عدم وجود عرف في هذا المجال ، وإلا فلا موجب للتمييز في المرسلات على الأقلّ . بل لا معنى للتدليس لو أبهم الواسطة ولم يُسقطها .
الوجه الثاني : إنّ إسناد الحديث إلى النبيّ يقتضي الصدق ؛ لأنّ إسناد الكذب ينافي العدالة ، وإذا ثبت صدق الحديث تعيّن قبوله ، ولازم ذلك عدالة الواسطة « 1 » .
والجواب واضح أيضاً ؛ فإنّ صدق الحديث عند الراوي لا يساوق صدقه عندنا ، بل لا يُعلم أنّ الراوي يُشترط في نقله صدق الحديث عنده حتى لا تنخرم عدالته ، بل ربما يكفي عدم علمه بكذب الحديث ، فهل يحرم نقل الحديث المنسوب للنبي دون التأكّد من صحّة النسبة ؟ بل لعلّ هذا هو ديدن المصنّفين قبل الشيخ الصدوق ، كما تشير إليه عبارته في مقدّمة الفقيه ، وأنّه لا يسير مسيرة غيره في نقل كلّ ما رووه ، بل يختص بنقل ما يؤمن به ويراه حجّةً بينه وبين ربّه ، فهل كلّهم قد سقطت عدالتهم بهذا ؟
الوجه الثالث : إنّ الطائفة عملت بالمراسيل كما عملت بالمسانيد ، شرط سلامة المرسَل عن المعارض ، وهذا كافٍ في حجيّته « 2 » .
هامش
( 1 ) ( ) انظر : الشيخ حسن ، المعالم : 215 ؛ ومقباس الهداية 1 : 258 .
( 2 ) ( ) انظر : الشيخ حسن ، المعالم : 214 .