تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحديث الشريف (حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج) — صفحة 33

مساهمون:

ص٣٣
الخبر الحسّي نفسه ، فلم يرَ شيئاً مما أخبر به المخبِر عن حسّ . ومن هنا ، نلاحظ أنّ كثرة الخطأ الحدسي وقلّة الخطأ الحسّي في الناس هو المرجع في تمييزهم بين الخبر الحسّي والحدسي ووضع معايير مختلفة لهما ، ولهذا لو صادف أنّ الشخص المخبر حسّاً ضعيف الحواس وكثير الخطأ فيها لم يمكن الأخذ بقوله من باب حجيّة خبر الثقة أيضاً ، رغم أنّ إخباره حسيّ ، وما ذلك إلا لأنّ العقلاء بتمييزهم في أسباب الخطأ عن بعضها ومدى وفرتها وقلّتها ، يرون أنّ الحالة العادية في الخبر الحسّي لا تنشأ عدم المطابقة فيها للواقع إلا من جهة كذب الناقل وعدم حفظه وضبطه في النقل مما هو على خلاف مقتضى الطبع ، بينما لا يُكتفى بهذا في الخبر الحدسي ، بل يحتاج فيه إلى أمورٍ إضافيّة ، لكثرة منطلقات الخطأ فيه مما هو على وفق طبع الإنسان وظروفه الموضوعيّة ، وهذه كلّها مبرّرات توجب التمييز - عقلائيّاً - في الاحتجاج بين الخبر الحسّي والحدسي . ولهذا كلّه أنت تجد أنّ العقلاء والقضاة لا يقبلون بشهادة الشاهد لو انطلقت من الحدس والتخمين والتحليل ، بل يعتبرونها بمثابة إفادة الخبير التي يأخذها القاضي للنظر فيها لا بوصفها شهادة ، فهذا التمييز العقلائي واضح في مثل هذه الأمور . بل لهذا تجد أنّه لم يخطر ببال أحد من المتقدّمين أنّ فتوى فقيه من الفقهاء هو بمثابة خبر مرسل ، وإنّما هي قضيّة طرحت في أذهان وتحليلات بعض متأخّري المتأخرين ، فهل وجدت في كتب الحديث مثلًا كلاماً في مراسيل الفقهاء التي تختزن في فتاويهم ؟ ! ويكفينا هنا الشك في قيام سيرة العقلاء والمتشرّعة على العمل بالخبر الحدسي حتى لا تثبت الحجيّة له ويبقى مندرجاً تحت أصل عدم الحجيّة ؛ لأنّ السيرة دليل لبّي يؤخذ فيه بالقدر المتيقّن . وكذا الحال تماماً في دليل الإجماع هنا فلا نعيد . وبعبارة موجزة : إنّ العقلاء والمتشرّعة لا يعملون بالخبر الحدسي من باب حجيّة الخبر وبمنطق حجيّة الإخبارات ، بل لو عملوا به فمن باب حجيّة قول أهل الخبرة ، ووفقاً