الإيراد .
والصحيح عدم حجيّة الخبر الحدسي إذا لم يوجب العلم والاطمئنان ؛ لأنّ السيرة العقلائيّة والمتشرّعية ، وهما العمدة في الحجيّة عند المتأخّرين ، يحرز عدم قيامهما على الخبر الحدسي بما هو خبر ، فإنّ زرارة لم يكن ليعمل باجتهاد محمد بن مسلم ما لم ينقل له خبراً سماعيّاً عن الإمام ، أو يقنع هو نفسه بمضمون الخبر بحيث يحصل اليقين بالمضمون ، ولهذا اختلف أصحاب النبيّ والأئمّة فيما بينهم في الاجتهادات المتعدّدة ، ولم يكن أحدهم يتعبّد بقول الآخر من باب حجيّة خبر الثقة .
بل الحال أوضح بين العقلاء ، فهم لا يعملون بتحليل شخص لأمرٍ ما من باب خبر الثقة ، نعم قد يقومون بذلك من باب رجوع الجاهل إلى العالم ، أي حجيّة الفتوى لا حجيّة الخبر ، وهذا أمرٌ آخر لا يتعلّق بجهة بحثنا هنا كما هو واضح ، ولهذا يميّزون بين الرجوع للمُخْبِر بملاك حجيّة خبره ، والرجوع للخبير بملاك حجيّة علمه ، ويرونهما مفهومين مستقلّين ، وإن كانوا يرون إخبار الخبير عن عين ما توصّل إليه في خبرته إخباراً حسيّاً ، لأنّه يخبر عن ما يختلج في ذاته وعقله ، وهذا غير إخباره عن الواقع عينه الذي اكتشفه بالحدس والخبرة فتأمّل .
وسبب الفرق بين الحالتين عقلائيّاً أنّ العقلاء - كما يُلمح بعض المتأخّرين « 1 » - يفترضون أنّ الراوي إذا كان ثقةً في نقله كفى في حجيّة الخبر الحسّي ؛ لضعف احتمال الخطأ في الحواس عادةً ، بينما في الخبر الحدسي نحن بحاجة إلى أمر إضافي غير وثاقة الراوي في النقل ، وهو عدم خطئه في الاجتهاد ، فلهذا لا تقوم حجيّة قوله على وثاقته فحسب ، حتى نأخذ بقوله بمجرّد وثاقته ، بل على خبرويّته أيضاً ، ومن ثمّ فالخبير مثله لا قيمة لخبرويّته عليه في حقّه ؛ لأنّه يكتشف منشأ الاجتهاد فيكون كمن حضر الحدث في
هامش
( 1 ) انظر : الخوئي ، دراسات في علم الأصول 3 : 144 ؛ ومصباح الأصول 2 : 144 ؛ ومحمد طاهر آل الشيخ راضي ، بداية الوصول في شرح كفاية الأصول 5 : 281 - 282 .