وهذا المدرك صحيح كبرويّاً بناءً على حجيّة خبر الثقة كما تقدّم ؛ لأنّ المفروض أنّ المدح قد حقّق صغرى الوثاقة ، فتأتي القاعدة والكبرى وتعطي الخبرَ الحجيّةَ ، إلا أنّ الكلام في الصغرى ، فهل صحيح أنّه إذا مدح الرجاليّون شيعيّاً فمعنى ذلك أنّهم وثقوه أو لا ؟
من الواضح أنّ من ألفاظ المدح ما هو توثيقٌ في حقيقته ، دلّ على ذلك بالدلالة المطابقيّة أو غيرها ، مثل : ثقة ، متقن ، ثَبَت ، حافظ ، صدوق ، ضابط ، يحتجّ بحديثه ، صالح الرواية ، معتمد الكتاب ، مسكون إلى روايته ، لا بأس به ( على أحد التفاسير للكلمة الأخيرة ) ، وغير ذلك .
كما أنّ هناك ألفاظاً واضحة في إسقاط وثاقة الراوي مثل : كذّاب ، وضاع ، ضعيف في الحديث ( على نقاش فيها ) ، مضطرب الحديث ، متروك في نفسه ، ساقط ، متّهم ، واهٍ ، ليس بشيء ، لا يعتدّ برواياته ، لا يُعمل بما تفرّد به . .
لكن هناك ألوان أخرى من المدح مختلفة ، مثل أن يقال عنه : عالم ، زاهد ، خيّر ، شيخ ، قريب الأمر ، مستقيم الدين والمذهب ، يكتب ، وجهٌ ، وجهٌ في أصحابنا ، كثير التأليف ، متكلّم ، شاعر ، يجيد الجدل والمناظرة ، كانت له منزلة عند السلطان و . .
فهذه الأوصاف هل تدلّ - لغةً وعرفاً واصطلاحاً - على التوثيق ، فضلًا عن التعديل ؟ أفهل كلّ عالم ثقة ؟ وهل كلّ زاهد ثقة ؟ وهل كلّ خيّر ثقة ؟ وهل كلّ من يكتب الحديث يكون ثقةً ؟ وهل لا يكون الشخص وجهاً بارزاً في الطائفة الشيعيّة إلا إذا كان ثقةً ؟ وهل كثرة التأليف معناها الوثاقة ؟ و . . « 1 » .
أوّل الكلام أن تدلّ هذه الألفاظ على توثيقٍ ، نعم هي مدح ، ولو دلّت على توثيق للزم الأخذ بها بلا فرق بين الشيعي وغيره .
هامش
( 1 ) قد خصّصنا في بحوثنا الرجاليّة فصلًا كبيراً موسّعاً لدراسة ألفاظ الجرح والتعديل والمدح والذمّ في التراث الرجالي والحديثي ، وحلّلنا كلّ لفظ على حدة ودلالاته ومعطياته .