هنا صغرويّة ميدانيّة تطبيقيّة ، بحيث تكتمل هذه الشروط ، لا سيما منها شرط التحقّق من عملهم وعاداتهم ، وشرط القرب من عصر النص ، وشرط عدم احتمال ظهور عادات نشأت من آراء الصحابة أو الخليفة بعد ذلك ، ونحو ذلك ؛ لهذا فمجال العمل بهذه النظريّة الصحيحة في الجملة محدودٌ ، ويبدو لي أنّها تخالف في بعض مدياتها بعض قواعد التحوّلات المجتمعيّة في علم الاجتماع ، لكنّها نظرية تنمّ عن أقدم تصوّر إسلاميّ لمقولة السيرة المتشرعيّة ، وتؤكّد مدى ضرورة التواصل بين أصول الفقه السنّي وأصول الفقه الشيعي ، لأنهم قد يختلفون في العناوين والأساليب ، فيما يشتركون في روح الفكرة ، فلو استفاد الشيعة من نظريّة المالكيّة هنا ، واستفاد المالكيّة من نظريّة السيرة المتشرعيّة عند الشيعة هنا ، لحصل تطوّر أفضل وتقارب بين الاتجاهين .
ولا بأس أن نشير أخيراً إلى أنّ فكرة عمل أهل المدينة قد خضعت بالتدريج لوضع شروط وتفصيلات ساهمت في إنضاجها ، كما أنّ أنصار المذهب المالكي اعتبروا - مثل القاضي اليحصبي - أنّ بعض المخالفين لهم نسبوا لهم أفكاراً غير دقيقة في هذا المجال « 1 » .
يشار أخيراً إلى مسألة ، وهي أنّه لو ادّعى الإمام مالك إجماع أهل المدينة على شيء ، فهل نستطيع أن نعتبر ذلك كاشفاً عن موقف الإمام الصادق مثلًا ، باعتباره كان من وجوه علماء أهل المدينة في زمن مالك بن أنس أو لا ؟ المسألة فيها بحث ونظر توكَل لمحلّها .
خامساً : مديات وهن الخبر بمخالفة الراوي لروايته
طُرح هذا البحث في الوسط السنّي ، ويمكن طرحه على المستوى الشيعي كما سوف نرى ، بل قد طرحه بعض القدماء من الإماميّة ، وحاصل موضوع البحث أنّ الراوي قد
هامش
( 1 ) انظر - على سبيل المثال - : اليحصبي ، ترتيب المدارك : 41 وما بعد ؛ والسليماني ، الاجتهاد في الفقه الإسلامي : 267 - 270 .