يظهر أنّ عمل أهل المدينة قد يجبر الخبر الضعيف عند بعضهم كبعض المراسيل « 1 » .
وعلى أيّة حال ، وبصرف النظر عن صحّة النسبة أو المقصود ، لابد أن نعرف هل مخالفة خبر الواحد الحجّة لعمل أهل المدينة أو إجماعهم ، يُسقطه عن الحجيّة والاعتبار أو لا ؟
وأقصى ما يمكن أن يستدلّ به لذلك أن يقال - بعد جمع أدلّتهم في ذلك وحذف ما لا أهميّة له وصار بطلانُه واضحاً اليوم - : إنّ المجتمع المدني أقرب المجتمعات إلى الحياة النبويّة ، فهي مجمع الصحابة ، ومنها خرج العلم ، وقد شاهد أهلُها التنزيل ، وسمعوا التأويل ، وعرفوا ملابسات النصوص ، واطّلعوا أكثر من غيرهم على سيرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، بل هم اطّلعوا على آخر حالات النبي وما قاله وما نزل عليه ، فعلمهم بالناسخ أكبر من علم غيرهم ، بل بعيد جداً أن يطّلع غيرُ أهل المدينة على حكمٍ نبوي دون أن يطّلع عليه أهل المدينة .
من هذا كلّه نعلم أنّه لو جاء خبرٌ آحاديّ يخالف سنّة وسيرة أهل المدينة وعملهم وإجماعهم ، فلا يعود سبيلٌ للوثوق بهذا الخبر أو بصدق مخبره وصحّته فيما يقول ولو كان في نفسه ثقةً ؛ إذ لو كان هذا الخبر صحيحاً حقاً ، فكيف خفي على أهل المدينة ، وعَرَفه كوفيٌّ أو شامي أو خراساني ؟ فلو كان الخبر صحيحاً لبان وبانت آثاره في المجتمع المدني ، ولما لم يكن كذلك ، سقط عن الحجيّة من رأس .
وبهذا يكون موضوع عمل أهل المدينة أشبه بالإعراض عن هذا الخبر ، وموجب لفقداننا الوثوق بصدوره ، أو سقوطه عن مرتبة الظنّ بالصدور . هذا إذا بنينا على عدم حجيّة عمل أهل المدينة في نفسه ، أمّا لو جعلناها حجّةً في نفسها كالسيرة المتشرّعية
هامش
الداني : 110 ، 247 ، 248 ، 251 ، 694 ؛ وابن رشد ، بداية المجتهد 1 : 179 ، و 2 : 137 ، 142 ؛ وسبل السلام 2 : 166 ؛ والبجنوردي ، القواعد الفقهيّة 3 : 200 ؛ والشنقيطي ، خبر الواحد وحجيّته : 276 ؛ وغير ذلك .
( 1 ) انظر : النووي ، المجموع 19 : 260 ؛ والموطأ 2 : 748 ؛ وابن حزم ، الإحكام 2 : 214 .